جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
يسد كتاب «أسرار الصوت: الرحلة من القلب إلى الكلمة» (دار نهضة مصر، 2026) لخبيرة الإعلام واستشارية التدريب مها شهبة، فراغًا في المكتبة العربية، التي تعاني من قلة الدراسات المتخصصة التي تُعين كل المهتمين بتطوير قدراتهم على النطق والأداء.
يُقدِّم الكتاب، الذي يقع في 424 صفحة من القطع المتوسط، إرشادات وتوجيهات بالغة الأهمية لكل العاملين في الإعلام أو الراغبين في الالتحاق بالمجال، علمًا بأن المحتوى ليس دليلًا تقنيًا ولا دروسًا في الإلقاء، بل رحلة إلى الأعماق.. إلى الصوت الذي يمثل جزءًا جوهريًا من هوية الإنسان. تقول المؤلفة إن هذا الكتاب «لا يشبه كُتب الأداء الصوتي التي تُدرِّبك على الوقوف، والتنفس والإلقاء. بل يأخذك إلى ما قبل المهارة، إلى حيث يسكن الصوت وينتظر أن تُنصِت له» (ص 11).
تحكي خبيرة الإعلام: «لم أعد أريد أن أدرِّب على «مهارات» الإلقاء. أردت أن أرافق الناس وهم يكتشفون أصواتهم من جديد. أريد أن أساعدهم على تحرير الصوت؛ ليتحرر معه العقل والنفس والجسد. لم أعد أبحث عن الإلقاء الجيد، وإنما عن الصوت الذي يعلن عن وجوده بلا خوف. ذلك الصوت الذي لا يحتاج أن يثير الإعجاب.. يريد فقط أن يكون» (ص 17).
تأخذنا مها شهبة في رحلة إنسانية وتدريبية في عالم الأداء الصوتي والفويس أوفر، تبدأ من القلب قبل الحنجرة؛ إذ تكشف كيف يمكن للصوت أن يصبح امتدادًا حقيقيًا للذات وأداة للتعبير الصادق والتأثير الإيجابي.
نطالع في الكتاب: «لا يمكننا أن نعبِّر بصدق إن لم نعِ أجسادنا ونشعر أنها آمنة. ولا يمكن للصوت أن يخرج كما هو، إن كان الجسد في حالة تجاهل أو دفاع مستمر. لهذا، فإن تحرير الصوت يبدأ من إعادة برمجة العلاقة بين الجسد والنفس أولًا قبل تعلُّم مهارات الأداء. هنا لا نقترح تمارين لأداء أفضل، وإنما نعود للكلمة التي لم تُنطق، ونُنصت للعضلة التي خنقت نبرة، ونحرِّر ما انكتم في الحنجرة خوفًا من الخذلان أو السخرية» (ص 23).
وعبر صفحات هذا الكتاب الممتع، تشاركنا المؤلفة تجربتها في تعليم فنون الإلقاء والتواصل المؤثر، من خلال نصائح عملية وتدريبات واقعية مدعومة بفيديوهات، تجعلك تفهم صوتك وتحسّ به وتستخدمه بوعي.
كما نقرأ عن تفاصيل ثرية مثل الصوت الذي يضع قناعًا Voice Masking، وتقول إنه في مدارس الأداء، يُستخدم هذا المصطلح لوصف الحالة التي يختفي فيها الصوت الحقيقي خلف نبرة مصطنعة. قد يكون هذا الإخفاء اختيارًا فنيًا، كما في التمثيل، وقد يكون قناعًا دفاعيًا، كما في الحياة اليومية (ص 66).
في مواضع عدة، تستعين الباحثة بنظرية العصب المُبهم/الحائر المتعدد Polyvagal Theory لتوضح –على سبيل المثال لا الحصر– أن بعض أنماط التهذيب الزائد في مواجهة المواقف الصادمة ليست سلوكًا أخلاقيًا، وإنما هي استجابة عصبية آلية تُعرف بـ«التجنُّب الصوتي»، حيث يُفضِّل الجسد الانسحاب إلى منطقة كلام محايدة، بدلًا من الدخول في مواجهة يعتبرها الجهاز العصبي غير آمنة (ص 69-70).
ولعل التمارين التي تسجلها مها شهبة في كتابها هي من أمتع محتوياته؛ لأنها تمنح القارئ فرصة للإنصات إلى الجسد، وإعادة اكتشاف النبرات، أو الصوت الذي يسكنك، مؤكدة أن الجسد غرفة رنين (ص 85)؛ إذ يحمل كل جسد صوته الخاص كما تحمل الآلة موسيقاها الفريدة، فالصوت الذي نسمعه يتجاوز مجرد كونه نتاجًا لاهتزاز الأحبال الصوتية، فهو يتحرك في تجاويف الجسد، فيُضخَّم في الصدر، ويتردد في الرأس، ويُرنِّم في العمود الفقري، ويستمد لونه من الحالة التي تعيشها العضلات والتنفس. لهذا السبب، يختلف صوتنا عندما ننحني، عن صوتنا ونحن في وضع الاستقامة. ويختلف عندما يكون تنفسنا ضيقًا، عن حالته ونحن نستنشق الهواء بعمق واتساع (ص 85).
من التمارين اللافتة للانتباه في هذا الكتاب، تمرين استعادة السيادة الداخلية للصوت، غايته أن يصبح الصوت استجابة حُرة من الجسد الآمن، لا أداة مراقبة من العقل المحتشد (ص 88).
نقرأ في الكتاب:
«قبل أن ينطلق الصوت، يتخذ الجسد قراره: هل سيفتح له الطريق أم يضيِّقه عليه؟
الفك المشدود، الرقبة المتيبِّسة، الكتفان المرفوعتان بلا وعي.. ليست تفاصيل جسدية عابرة. إنها بوابات تحدِّد مصير الجملة: هل ستخرج بسلاسة؟ أم ستُضغط، تُقطَّع، تُختزَل؟ في لحظات التردد، يُقفل الفك. في لحظات الانسحاب، تنكمش الكتفان. وفي الخوف، تتشنج الرقبة» (ص 95).
في الفصل الحادي عشر، الذي يحمل عنوان «الصوت المهني الحديث – البودكاست، الإعلام، والعرض الرقمي»، ترى الكاتبة أنه «في عالم لم يعد يفصل بين الخاص والعام، أصبح الصوت أداة تموضع. لا يكفي أن تتحدَّث جيدًا، عليك أن تصنع «صوتك» كما تُصنع العلامات التجارية: له نبرة فريدة، توقيت محسوب، ونمط يُعرّفك حتى قبل أن تُكمل الجملة» (ص 296-297)، وتضيف: «لم تعد الكلمة تُقال وتُستقبَل فورًا،
بل تُقال، تُسجَّل، تُمنتَج، تُبث، تُشارك، وقد لا تصل أبدًا إلى من كانت تُوجَّه إليه. البودكاست لا يخاطب جمهورًا ظاهرًا، بل أذنًا فردية مجهولة. الفيديو القصير لا ينتظر أثرًا عاطفيًا، بل قرارًا سريعًا: «اسحب للأعلى.. أو تجاوزه». التنويه التليفزيوني لا يُصمَّم ليُستمع إليه، بل ليُزرع بصريًا في تيار متواصل من المشاهدات. أما العرض المباشر، فيحاول أن يسترجع ما فُقِد: لحظة حية، وتفاعل آني، لكن من وراء شاشة. وهكذا لا يواجه الصوت تحدي التعبير فحسب، بل يواجه تحدي المسافة» (ص 298).
في تقدير الكاتبة أن كل وسيط من هذه الوسائط الحديثة يخلق بيئة صوتية خاصة به، بجاذبيته، وبمخاطره أيضًا:
البودكاست يدعو للحميمية.. لكنه قد يُغري بالاسترسال دون وعي.
العرض التليفزيوني يُدرِّب على الانضباط.. لكنه قد يخنق التلقائية.
الفيديوهات القصيرة تُجيد القبض على اللحظة.. لكنها تُنهك الصوت بالحاجة إلى الجذب الدائم.
والوعي بهذه المسافات الجديدة لا يهدف إلى التحذير، بقدر ما يقصد إلى التهيئة. فالذي يعرف أين يقف صوته، يعرف أيضًا كيف يخطو به بثقة.. ولو في فضاء لا يرى فيه أحد أحدًا (ص 299).
تؤكد المؤلفة أن الصوت في البودكاست لا يُقاس بمدى قوته، وإنما بمدى صدقه، برنين نبرته، بصبره على الصمت؛ لذلك، فالنبرة الزائدة تُربك، والإلقاء الخطابي يُنفر، والكلام المنمق يُشعِر المتلقي بالغربة. أما النبرة التي تنجح، فهي تلك التي تتنفس بين الجُمل، وتتلكأ قليلًا تدللًا وإثارة للفضول قبل أن تقول الحقيقة، وتترك أثرًا لا يُمحى في أذن وحيدة تمشي وحدها في شارع طويل.
وعلى حد تعبير مها شهبة، فإن «في البودكاست، الصوت ليس استعراضًا، هو رفقة» (ص 301).
بل إنها تذهب إلى القول بأن الصمت في البودكاست ليس فراغًا، وإنما كما يقول جوليان تريجر Julian Treasure: «هو نبرة غير منطوقة تُضخِّم المعنى» (ص 302).
من نصائح خبيرة الإعلام، تستوقفنا تفاصيل بالغة الأهمية، منها أنه في التليفزيون، واليوتيوب، والبث المباشر، الصوت لم يعد هو الحامل الوحيد للرسالة، بل صار عنصرًا في معادلة أكثر تعقيدًا:
صوت + وجه + حركة + وقت + تكنولوجيا + جمهور سريع القرار.
ولأن هذه المعادلة حساسة، تظهر أخطر مفارقة في الأداء الحديث:
أن كل تفصيلة جسدية – من طريقة الجلوس إلى طرفة العين – تُعيد تشكيل أثر النبرة.
الأبحاث في مجال الإدراك المتجسد Embodied Cognition، تُظهِر أن الجسد لا يرافق الصوت، وربما يشارك في تكوينه، وأن المُشاهِد، ولو من دون وعي، يقرأ النبرة بعينه من خلال الرأس واليدين كما يقرؤها بأذنه من الحنجرة والفم (ص 306).
أما في تحليلات الأداء الرقمي، فقد وُصِف الصوت بأنه «أداة حضور ممتد عبر الكاميرا»، أي أن المُشاهِد لا يتلقى الصوت فقط، بل يتلقى ما يبدو عليه صاحبه حين يُخرِجه. هذا يعني أن الصوت في الإعلام الرقمي ليس مجرد وسيط، وإنما ربما امتحان مباشر لـ«اتساق الهوية». فإن لم تتناغم نبرتك مع نظرتك، وإن لم تتنفس بانسجام مع حركتك، وإن لم تتحدَّث وكأنك تعرف أن هناك من يراك بالفعل، فكل ما تقوله سيتحول إلى مادة مشوشة، مهما كانت مفرداته مُحكَمة (ص 307).
من الضرورة بمكان الإشارة إلى أهمية الحضور النفسي والجسدي شديد الاتزان في حال التعامل مع الوسائط المرئية، أي أن تُنصِت لجسدك أثناء الكلام، وتُدرك ما تفعله عيناك حين تُنهي الجملة، وأن تُوقِّع الصمت كما تُوقِّع النبرة. هنا لا يعود «جمال الأداء» مرتبطًا بالحضور الجسدي القوي، وإنما باتساق داخلي يربط بين ما يُقال، وما يُرى، وما يُشعَر به في اللحظات الفارغة بين السطور (ص 311).
توصية أخيرة من المؤلفة تستحق الذكر: في الأداء الحي، يكون الوقت شريكًا. كل نفس يُؤخذ في حضرة الجمهور، وكل تلعثم يُستعاد فيه الإيقاع من جديد. هناك – دومًا – مجال لأن تُخطئ، أن تُصيب، أن تتفاعل.. أن تكون إنسانًا.
أما في الأداء الرقمي، فالزمن لا ينتظرك. إما أن تلتقط الانتباه في الثواني الأولى، أو ينتهي حضورك بلمسة إصبع (ص 308).
الكتاب في مجمله دعوة للقارئ كي يطلق صوته بجرأة وصدق، ويحوّل الكلام إلى فن نابض بالحياة.