إعلان

جيهان زكي.. وفخ المشاهد الأولى

محمد لطفي

كتب - محمد لطفي

06:59 م السبت 14 فبراير 2026

بعد ساعات من تولي الدكتورة جيهان زكي حقيبة وزارة الثقافة المصرية، تقف الوزيرة الجديدة أمام وزارة ليست كغيرها من الوزارات؛ فهذه الوزارة المركبة التي تضم جيشاً من الإداريين والموظفين، إلى جانب أطياف متعددة من الفنانين المسرحيين والموسيقيين والسينمائيين، فضلاً عن الكتاب والشعراء والروائيين، تتطلب طريقة خاصة في الإدارة والفهم العميق لطبيعتها المركبة.

ولكل فئة من هؤلاء لغتها وأدواتها وطموحاتها، ناهيك عن جمهور عريض ومتسع من متلقي الخدمات الثقافية.

الدكتورة جيهان زكي، ثالث سيدة تترأس هذه الوزارة، وأول شخصية تأتي من حقل علم المصريات، ولذا فمن الطبيعي أن نتوقع أن تحمل الفترة المقبلة تحولاً دراماتيكياً في إدارة المشهد الثقافي المصري.

فالوزيرة الجديدة ليست بعيدة عن مفاتيح الوزارة وطريقة إدارتها، فقد كانت أول سيدة تتولى مسؤولية إدارة أكاديمية روما في فترة مفصلية من تاريخ مصر، أبلت خلالها بلاءً حسناً، ما يؤهلها لفهم طبيعة المؤسسات الثقافية المعقدة، وإدارة العلاقات مع الفنانين والمثقفين على المستويين المحلي والدولي.

لكن الفترة الحرجة التي تبدأ الآن، والتي غاص فيها وزراء سابقون في مشكلات فرعية أدت إلى انحراف بوصلتهم عن المسار الصحيح، تستدعي وضع عدد من الحقائق نصب الأعين؛ فالأسابيع والأشهر الأولى لأي وزير في هذه الوزارة هي التي تحدد مساره ومصيره، وهي التي ترسم ملامح تجربته الوزارية بأكملها.

أولاً: المشروع القومي للثقافة..

قبل أي شيء، تحتاج الوزيرة الجديدة إلى مشروع قومي حقيقي للثقافة المصرية، لا يظل حبيساً في الأدراج ولا يتحول إلى شعارات إعلامية.

مشروع يعتمد على رفع مستوى الوعي لدى الجمهور بشكل عملي، يتناسب مع طبيعة عصر السوشيال ميديا ومستجدات التكنولوجيا.

مشروع قائم على استثمار الحضارة المصرية عبر التاريخ، من الحضارة المصرية القديمة إلى العصر الحديث، مع وضع المستقبل في الحسبان.

فالثقافة لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت أداة للتنمية، وصناعة ناعمة تدر دخلاً وتعزز الهوية في آن واحد، ولعل من حسن الطالع أنها تولي أهمية كبرى لمسألة الدبلوماسية الثقافية.

ثانياً: لا للانشغال بالشكاوى المكررة..

في الأسابيع الأولى من تولي أي وزير للثقافة، يزخر مكتبه بتلقي العشرات من الشكاوى من جميع القطاعات تقريباً، وهي شكاوى مكررة في معظمها، يتلقاها كل وزير جديد فور توليه المنصب، ويعرفها القاصي والداني.

على الوزيرة ألا تلتفت إلى هذه الأمور بشكل يستنزف وقتها وطاقتها، وألا تشغل نفسها إلا بالشكاوى الجادة التي تستحق الوقوف عندها. فالدخول في متاهة الشكاوى المكررة يعني إهدار الأشهر الأولى في ملفات مستهلكة، لن تضيف جديداً للمشهد الثقافي.

ثالثاً: تفعيل الرقابة قبل الجولات..

من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الوزراء الاندفاع في جولات ميدانية لعشرات المواقع الثقافية، دون أن تكون أدوات الرقابة في الوزارة مفعلة بشكل جيد. قبل أن تذهب الوزيرة في جولاتها التفقدية للمراكز الثقافية والمسارح وقصور الثقافة، عليها أن تضبط منظومة العمل الداخلي، وأن تفعل آليات المتابعة والتقييم، خشية أن تضيع الأشهر الأولى دون طائل، وتتحول الجولات إلى مجرد لقاءات بروتوكولية لا تعكس الواقع الفعلي للمؤسسات الثقافية.

رابعاً: الحذر من الاستهلاك الإعلامي بالفعاليات

أتطلع أن تعكف الوزيرة الجديدة على دراسة الملفات المختلفة بعيداً عن التأثر برؤساء القطاعات والمسؤولين عنها، أو رأي المختلفين معهم، وأن تتحرى الدقة في ذلك عن طريق استطلاع رأي الخبراء

دون الالتفات إلى (الطامحين في المناصب أو الكارهين للقيادات الحالية)، حتى تصل إلى الرأي السديد.

هذا النهج وحده هو الذي سيحمي وقتكِ من الضياع في الافتتاحات الرسمية، والمشاركة في المعارض والكرنفالات والاحتفالات التي تستهلك الجهد دون أن تحدث تغييراً حقيقياً على أرض الواقع.

فوزارة الثقافة ليست منصة للظهور الإعلامي، ولا مسرحاً للاحتفالات البروتوكولية. المشكلة المزمنة في هذه الوزارة أنها تحولت على مر السنوات إلى ما يشبه "مصنعاً للمناسبات"؛ كل يوم هناك افتتاح، وكل أسبوع هناك معرض، وكل شهر هناك مهرجان، لكن السؤال الحقيقي: ماذا تغير في وعي المواطن؟ كم كتاباً قرأ؟ كم مسرحية هادفة شاهد؟ كم مبدعاً حقيقياً تم اكتشافه ودعمه؟

الوزيرة الجديدة أمامها فرصة ذهبية لكسر هذه الدوامة؛ ليس المطلوب منها أن تلغي الفعاليات الثقافية، فهي جوهر العمل، لكن المطلوب ألا تكون أسيرة لها. المطلوب أن تضع آلية واضحة للتمييز بين الفعاليات الشكلية التي تهدف فقط للاستهلاك الإعلامي، والفعاليات الجوهرية التي تترك أثراً في المتلقي.

كما أن الاعتماد على آراء رؤساء القطاعات وحدهم، دون الاستماع إلى الخبراء المستقلين والمبدعين الحقيقيين خارج هيكل الوزارة، سيعيد إنتاج الأخطاء نفسها. فالقيادات، مهما كانت نواياهم حسنة، هم جزء من المنظومة القائمة، وقد تكون نظرتهم محدودة بحدود مؤسساتهم.. أما الخبراء المستقلون، فهم قادرون على تقديم قراءة أكثر موضوعية لواقع الثقافة المصرية، واقتراح حلول غير تقليدية؛ شريطة أن تكون مبنية على فهم عميق لطبيعة إدارة الملف حكومياً، فليست كل المقترحات حتى الرائع منها تصلح للتنفيذ حكومياً.

إن المرحلة المقبلة تحتاج وزيرة تمتلك رؤية، ولا تنجرف وراء التفاصيل الصغيرة، وتستطيع أن توازن بين طموحات الفنانين والمثقفين، وبين احتياجات الجمهور العريض. والدكتورة جيهان زكي، بخلفيتها الأكاديمية وخبرتها الدولية، تمتلك أدوات النجاح؛ لكن الطريق ما زال طويلاً، والأشهر الأولى هي الاختبار الحقيقي.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان