إعلان

خرائط الأمل والصراع في «جنوب النهر»

د. ياسر ثابت

خرائط الأمل والصراع في «جنوب النهر»

د. ياسر ثابت
10:38 م الأحد 01 فبراير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

في روايتها الجديدة «أيام.. جنوب النهر» (دار العين، 2026) تمسِّرح الأديبة فاطمة العوَّا المكان، وتجعل من النهر شاهدًا، وتصبح الأرض اختبارًا للإنسان.

هي رواية تواصلُ معها فاطمة العوا التزامها في مشروعها الأدبي بالأسلوب نفسه الذي يجمع البساطة، بالبحث شبه البوليسي، بهاجس الارتحال الدائم، وبالالتزام بالقضايا الإنسانية، وبالتشويق.

في العمل الروائي الذي يتألف من 330 صفحة، نحبس أنفاسنا ونحن نلهث وراء أحداثٍ متسارعة عن الهروب والعودة، عن الذاكرة والجذور، وعن علاقات إنسانية تتجاوز الجغرافيا والصراعات.

بإيقاعها السريع، وأسلوبها التشويقي، ولغتها المرهفة التي تمتزج باللهجة السودانية في الحوار، تغوص الرواية في عمق اللحظة السودانية وتداعياتها، مُصوِّرةً حالة الاضطراب وعدم الاستقرار. تمثل الرواية رؤيةً سردية تحفر في عمق الأحداث وتستشرف ما بعدها.

توضح لنا فاطمة العوا أن الأدب هو كشف معنى الوجود الإنساني. كلّ شيء، على الأقلّ الأشياء المهمّة، محض لغز، وهذا اللّغز يجبرنا على طرح أسئلة أساسية تأتي وتذهب، ثم تعود بشكل موسوس، تقريبًا. ولأن هذه الأسئلة، بطريقة أو بأخرى، لم تهجرنا، نلمس هذا في سياق العمل الروائي المتماسك.

من مفتتح الرواية ندرك حجم الخطر والتحدي الذي نحن بصدده:

«لم يكن ناجي يشعر بنفسه، ولا بما يفعل، لم يقدِّر مدة الوقت، لا بدءَه ولا مدته، كان يقبض على فمها بكل قوة مانعًا إياها من إصدار أي صوت من أي نوعٍ كان، متحكمًا في وضع رأسها أمام صدره تمامًا، شاعرًا بضغط كعكة شعرها على ثقصه الصدري في حين يضغط رأسها تجاهه، هو خلفها وظهرها يضغط على صدره، يضمها بقوة بذلراع، تلتف ذراعه حول بطنها تضمها إلى جسده، هي أمامه وهو خلفها، وبالذراع الأخرى يكتمُ صوتها» (ص 9).

وكما بدأتْ الروائية روايتها السابقة «الصعيدي» (دار العين، 2025) بالزلزال، ها هي ذي تُعيد سيرة الزلزال، كأنما هذه هي الشفرة الخاصة بها للإشارة إلى حدثٍ جلل، يبعثر الأشياء وحيوات الأبطال على حدٍ سواء.

أيضًا، تأتي النهاية بنفس التقنية السينمائية المستخدمة في الرواية السابقة؛ إذ نطالع في الفصل الأخير مصائر الأبطال بعد عدة أعوام.

في «أيام.. جنوب النهر» نتمثل شخصيات «ناجي»، و«إدريس»، و«هاجر» ، و«ألِكس»، و«عمار» ، و«القبطان بكر»، و«كريم بيه»، و«مريم»، و«نبراس» ، و«الحاج أحمد القادري ».

ثمة، دائمًا، تقاطب مبنيّ على: مع أو ضد، أو -ربَّما- القول تضادات أو توافقات مفاهيمية بين الشخصيات. كُتبَ النصّ الروائي قصدًا، بهذه البنية الكورالية أو البوليفونية، ليحتمل الحدث أكثر من رواية، ويُنظر إليه من زوايا مُتعددة، فالحقيقة ليست واحدة، ومفهوم الشيء يختلف من المنظور الّذي يُرى منه؛ ومن هنا يكون الروائي، في هذا البناء، مثل «مايسترو» يُنسق بين أصوات الكورال، دون السماح بالنشاز، أو أن يتجاوز أي صوت حجمه الّذي يخلق الانسجام الكلي للنصّ.

الكثير من القُراء لديهم لَبْس بين الروائي والشخصية الروائية، ويقرؤون الرواية مثل الكِتاب التاريخي، فيضعون الكل في كفة واحدة، بالإضافة إلى سيطرة الكثير من الأيديولوجيات، كلٌّ يحاول أن يُؤدلج الرواية، مُؤوِّلًا إياها حسب وجهة نظره، رغم أنّ الرواية اِنفتحت على جميع وجهات النظر، ولم تُغفِل أي جهة؛ هي رواية تستوعب الكل مثل الحياة، ولم تغلِّب جهة على أخرى.

في «أيام.. جنوب النهر» نبحر عكس التيار، لنتابع سيرة أيامٍ مضطربة في السودان، «من بعيد ما زالت أصوات إطلاق النار تترامى إلى مسامعهم بين الحين والآخر، تتوقف وتعاود، وتملأ أنفسهم بآلاف الأسئلة التي ليست لها إجابات» (ص 29-30).

تمر الشخصيات -الأصدقاء الثلاثة: المصري والسوداني والإنجليزي، وغيرهم- بمغامرة تصل إلى حد المطاردة: «لم يتوقع ألكس مطلقًا أن تتحول رحلة صيد وغطس عادية إلى هذا الرعب والارتباك، يحمد الله أنه مع ناجي وإدريس» (ص 43).

يجد الأصدقاء أنفسهم فجأة في دوامة من الفوضى، ويحاولون الهروب من الخرطوم، عبر بورتسودان، باحثين عن النجاة وعن أرض آمنة تُؤويهم: «ماذا تقترحين يا هاجر؟»

نظر إليها الجميع، أحكمتْ وضع الورقة على الطاولة وقامت في دقائق معدودة برسم خريطة السودان عليها ووضعت عدة نقاط وربطت بينها بطريق، ورفعتها أمامهم قائلة:

«الخرطوم إلى أم درمان، ومن أم درمان إلى عطبرة ومنها إلى بورتسودان، وممكن نحتاج تغيير المسار شوية حسب الوضع فنمشي من هنا لجزيرة توتي، ومنها لي بحري عن طريق مركب بالبحر أو النيل يعني، نصل شمال بحري، وبعداك نتوجه لشندي وبعداها عطبرة وبرضو ومنها لبورتسودان، وبعداك المركب إما لي جدة أو لي مصر حسب ما ستسمح بهيو الظروف» (ص 123-124).

ومن شارع النيل، إلى فندق كورنثيا، وكومباوند الدبلوماسيين، وكوبري المنشية، وشرق النيل، وشارع التحدي، وشندي، وعطبرة.. ندرك أن الروائية ذاكرت دروسها جيدًا، وأنها استعانت بأهل المعرفة لتتقن رسم المكان ومسرحته في سياق الرواية (التي اختتمتها بخريطة توضح الطريق الذي سلكه أبطال الرواية للخروج من الخرطوم صوب بورتسودان)، فضلًا عن إجادة صوغ الحوار باللهجة المحكية في السودان. هذا التوظيف الدقيق للمكان وثقافته، أثرى الرواية إلى حدٍ بعيد، وأضفى على تفاصيلها الكثير من الواقعية التي تلامس قلوب القراء.

هناك، على أرض السودان ووسط كم هائل من التحوّلات، يختلط الخطر بالحلم، والذاكرة بالرحيل والجذور بالفروع، تدور أحداث هذه الرواية: «لا أريد أن أفتح عينيَّ، إن فتحتُهما أريد أن أن أُفيق من هذا الكابوس، أستيقظ منه وأمارس حياتي الطبيعية» (ص 31).

من شوارع الخرطوم المشتعلة إلى طريق الهروب نحو بورتسودان، تتحوّل الرحلة إلى اختبارٍ للوفاء والنجاة والإنسانية والمشاعر التي تخفق لها القلوب «شاهدها تمسح دموعها بسرعة، دقَ قلبه ولوهلة لم يعُدْ في السيارة يقود هاربًا من مسلحين لا قِبلَ له بهم، بل عاد الطفل الذي يسير رفقتها إلى مدرستهما الخاصة المختلطة في المرحلة الابتدائية... لوهلة عاد هذا الشعور، ودَّ لو يمدُ كفه ليُخرجها من بئر الحزن العميقة كما كان يفعل إذا ما تعثرت وهما يركضان نحو المدرسة» (ص 179).

تلتقي بهؤلاء الأصدقاء وجوه تحمل حكايات الفقد والإيمان، في بلدٍ تتنفس التصوّف وتخفي خلف سكونها عواصف التاريخ: «بشَّرتْ أباها، وبينما تغادر قال لها إنه في انتظار الشيخ جعفر البحر القادري الجعلي، أحد أئمة الطريق القادرية الجعلية في المنطقة وبالتبعية إمام جامع المنطقة، الذي في الغالب سيأتي بعد الإفطار وسيصلُّون العشاء والتراويح معًا» (ص 261-262). في حديثه إلى الجالسين، يقول الشيخ بحر الكلمة الفصل، التي تستحق التسجيل: «سأحادث أئمة الطرق الصوفية واحدًا واحدًا ليكون هذا موقفنا، ولنُخرج بيانًا لأمتنا يوضح ما ندين به وما نحن عليه في هذا الوقت العصيب الذي تمر به البلاد يواجهه العبلد، إصلاح ذات البين، السودان لنا، وسيكون لعيالنا من بعدنا، مَن يحمي السودان فنحن معه، معه قلبًا وقالبًا، مَن يبغي وحدة السودان فنحن معه، وكل مَن طغى وتجبَّر ستدور عليه دائرة الأيام، وإن قضى أحدنا أو جميعنا، فموعدنا دار الحق، ويا له من موعد» (ص 270).

تكشف الرواية عن خيوط السياسة، والروح الصوفية العميقة التي تميّز السودان، والعلاقات الإنسانية بين أبناء بلاد النيل، الذين يتأثروا بالحرب فيفرون منها باتجاه البحر، لتنتقل الرواية من داخل المدن إلى أسطح السفن، وتستعرض تاريخ الشخصيات وحنينها لأوطانها وخوفها من المجهول.

تلتقي الشخصيات في الطريق بوجوه جديدة، تذكّرهم أن الروح أقوى من البنادق، وأن الصوفية ليست ملاذًا للهاربين بل طريقًا للعابرين.

في جنوب النهر، تتقاطع الدماء بالماء، والسماء بالتراب، والبلاد بالحدود، فتبدأ الرحلة، ثم تنطلق وتأخذنا معها إلى بقاع مختلفة نستكشف فيها أشياء جديدة. الرواية تستكشف اللحظة السودانية، وتتسائل: هل سيبقى الجنوب كما نعرفه؟

أتقنت فاطمة العوا إدغام الأحداث في نسيج الحكي؛ لتعكس شفرة ثقافية مضمرة، هي ثقافة التراث العميق للإنسان. وهي هنا تتمتَّع بلغةٍ سردية جيِّدة، وبنية مُحكمة، مع الأسلوب البسيط الساحر الجذاب، الذي نألفه في سائر كتاباتها الإبداعية.

تشدُنا التفاصيل التي تخص الشخصيات وتصف ما يميزها من بلدها وأصولها بشكل يحترم اختلاف الثقافات مع الاعتزاز بمصر في مواضع كثيرة.

عبر صفحات الرواية، تستوقفنا أحاسيس إنسانية شديدة العذوبة، مثل انفعالات إدريس «ليفيض الحزن من داخلك تحتاج إلى الأمان، تأتمن مَن معك وتسكن في مكانك، لتحزن يجب أن تأمن أولًا، فيخرج الحزن ويفيض دون أحكام مسبقة أو لاحقة عليك ممن حولك؛ لذا يبكي الناس في أسِرَّتهم في الظلام وهم مدثرون بأغطيتهم، في حين يفرحون ويحبون ويضحكون على قارعة الطريق وتحت ضوء الشمس الساطعة» (ص 180).

أما نبراس ففي وداع أبيها «لوَّح لها الشيخ الحاج أحمد مُوَدِّعًا، عيناها في عينيه رجاءً وتوسلًا، فوجئت، فللمرة الأولى في عمرها ترى وجهه غارقًا بدموع تتدحرج قطراتُها كما اللآلئ الشفافة على وجهه الأسمر المستدير، كأنما فاض بها قلبُه عبر عينيه» (ص 293).

هكذا ترسم «أيام.. جنوب النهر» خرائط الأمل والصراع بحِرفيةٍ ورهافة.

إعلان

إعلان