إعلان

إثيوبيا.. دورة تاريخية متكررة للصراع الأهلي

محمد جمعة

كتب - محمد جمعة

07:00 م الأحد 27 سبتمبر 2026

تشهد إثيوبيا منذ 23 سبتمبر الجاري أخطر تصعيد عسكري منذ توقيع اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022، مع تجدد المواجهات بين الحكومة الفيدرالية وقوات جبهة تحرير تيجراي وحلفائها بعد إعلان سبع حركات مسلحة تشكيل "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء" بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد.

لا يمكن النظر إلى تجدد القتال باعتباره مجرد انتكاسة أمنية عابرة أو انهيارًا مفاجئًا لاتفاق بريتوريا، بل يبدو أقرب إلى حلقة جديدة في نمط تاريخي متكرر طبع تطور الدولة الإثيوبية الحديثة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تعيش البلاد ما يمكن وصفه بنمط متكرر من تعاقب الصراع والتسوية، حيث تتوالى فترات الحرب الأهلية والهدنة والاستقرار النسبي قبل أن تعود التناقضات البنيوية إلى إنتاج موجات جديدة من العنف.

في الدورة الأولى، التي امتدت بين عامي 1974 و1991، شهدت إثيوبيا سقوط النظام الإمبراطوري بقيادة هيلا سيلاسي وصعود نظام منجستو هيلا مريام العسكري.

غير أن السلطة الجديدة لم تنجح في بناء توافق وطني واسع، بل دخلت البلاد في مواجهات طويلة وحرب استمرت نحو سبعة عشر عامًا قبل أن تنتهي بسقوط نظام منجستو وصعود تحالف تقوده جبهة تحرير شعب تيجراي.

أما الدورة الثانية، الممتدة من 1991 إلى 2018، فقد اتسمت بهيمنة النخبة المرتبطة بتيجراي على مؤسسات الحكم والجيش والأمن. وخلال هذه المرحلة تأسس نظام "الفيدرالية الإثنية" الذي منح القوميات المختلفة حكمًا ذاتيًا واسعًا داخل أقاليمها.

لكن ومع مرور الوقت تصاعد شعور قوميات كبرى، وعلى رأسها الأورومو والأمهرة، بأن موازين القوة داخل الدولة تميل بصورة مفرطة لصالح تيجراي، وهو ما أدى إلى موجة احتجاجات واسعة انتهت بوصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018.

مثّل صعود آبي أحمد بداية الدورة الثالثة من الصراع. فقد حاول إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة، عبر تقليص النفوذ السياسي والعسكري الذي تمتعت به نخب تيجراي لعقود. لكن هذه العملية أدت إلى صدام مباشر مع جبهة تحرير شعب تيجراي، تطور تدريجيًا إلى حرب مفتوحة اندلعت في نوفمبر 2020. وتحولت الحرب إلى واحدة من أكثر النزاعات دموية في أفريقيا خلال العقود الأخيرة، قبل أن تنتهي رسميًا بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022.

وتحمل أحداث سبتمبر 2026 دلالة استراتيجية أعمق من مجرد استئناف القتال. فهي تشير إلى أن النموذج الذي تأسس مع وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 يواجه اختبارًا وجوديًا، وأن البلاد قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة تشكيل توازنات القوة بين المركز والأقاليم.

في سياق كهذا، من المهم الإشارة إلى أن الحرب الأهلية الإثيوبية، سواء في نسختها الحالية أو في جولاتها السابقة، لم تكن نتاجًا لتدخل خارجي بعينه، وإنما تعبيرًا عن أزمات داخلية متراكمة تتصل بالهوية والنظام الفيدرالي وموازين القوة بين المركز والأقاليم. وفي هذا الإطار، لا توجد مؤشرات موثقة تربط مصر أو مؤسسات الدولة المصرية بالعمليات العسكرية الجارية أو بالأطراف المتحاربة في النزاع الراهن، كما أن جذور الأزمة الحالية تسبق الصراعات الإقليمية الراهنة بسنوات طويلة وتمتد إلى عقود من التفاعلات السياسية والإثنية داخل إثيوبيا. ولذلك فإن تفسير الحرب من منظور دور خارجي مصري يتجاهل الطبيعة البنيوية للصراع والتاريخ الطويل لدوراته المتعاقبة.

ومن اللافت أن كل دورة صراعية تتبع النمط نفسه تقريبًا: حرب واسعة تؤدي إلى إنهاك الأطراف المتصارعة، ثم اتفاق سياسي يفرض هدنة مؤقتة، يعقبه استقرار نسبي يسمح بإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد، قبل أن تظهر تناقضات جديدة أو تعود الخلافات القديمة بصورة أكثر حدة، فتبدأ دورة أخرى من العنف. وهذا ما يجعل تاريخ إثيوبيا الحديث أقرب إلى سلسلة من الموجات المتعاقبة للصراع أكثر من كونه انتقالًا خطيًا نحو الاستقرار.

باختصار، إن قراءة التطورات الراهنة في إطارها التاريخي تقود إلى استنتاج رئيسي مفاده أن ما تشهده إثيوبيا اليوم هو استمرار لدورة تاريخية لم تكتمل شروط الخروج منها بعد. فطالما ظلت معضلات الهوية والإقليم والسلطة دون معالجة جذرية، فإن احتمالات الانتقال من الهدنة إلى الصراع ستظل سمة ملازمة للمشهد الإثيوبي، بغض النظر عن الأطراف التي تتولى الحكم أو الاتفاقات التي تُوقَّع لوقف القتال.

ولهذا تبدو الحرب الحالية امتدادًا لتاريخ طويل من المعضلات الداخلية المتراكمة، لا انعكاسًا لتدخلات خارجية، وهو ما يفسر استمرار الصراع رغم تغير الحكومات والتحالفات وتبدل السياقات الإقليمية عبر العقود.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع