إعلان

مهزلة الانتخابات البرلمانية.. شعب يقظ وحكومة نائمة

النائب أسامة شرشر

مهزلة الانتخابات البرلمانية.. شعب يقظ وحكومة نائمة

أسامة شرشر
07:00 م الثلاثاء 11 نوفمبر 2025

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

ما بين شعب يقظ وحكومة نائمة لا تستوعب ردَّ فعل الشعب.

نعيش أيامًا عجيبة؛ فما حدث من سقطةِ أحد النواب الجدد من المعيَّنين في مجلس الشيوخ، عندما قال إن الكوماندوز الجزائري حمى مصر بعد النكسة في ميدان التحرير وشارع عماد الدين، كشف عن يقظة الشعب؛ فكانت الهبّة والوقفة من أبناء الشعب المصري أمام هذه السقطة، لأن هذه الواقعة لم تحدث على الإطلاق.

وهذا الحدث، مع أحداث أخرى في الفترة نفسها، أعطى مؤشرًا مهمًا وخطيرًا على أن المصريين ما زالوا متمسكين، مثل أجدادهم الفراعنة، بالأرض والحدود، وعدم النيل من كرامة الدولة المصرية، وكان هذا واضحًا وجليًا وتناقلته وسائل الإعلام العالمية قبل المحلية في افتتاح المتحف المصري الكبير، ووجدنا الشعب يفتخر بتاريخ أجداده الفراعنة في مشهدٍ شهد به الأعداء قبل الأصدقاء، وأصبح حديث العالم.

كما هبَّ الشعب المصري مرة أخرى بعدما سخرت ابنة فرج فودة من أحد المصريين العظماء الذي كان يرتدي جلبابًا ومعه زوجته قادمين من محافظة قنا بصعيد مصر ليشاهدا الآثار المصرية بالمتحف، فكان تعليقها الساخر: من سمح لهذا المصري بالدخول بالجلباب؟ وطالبت بمنع من يرتدي الجلباب من دخول المتحف، بينما هذا الرجل هو أكثر تعبيرًا عن ثقافة شعبٍ لم ترَه ولم تسمع عنه ابنة الدكتور فودة من قبل، فالجلباب والطربوش كانا في وقت من الأوقات زيَّ المصريين الذين فجَّروا الثورات ضد الاحتلال الإنجليزي.

وقد رأينا الهبَّة من المصريين التي أجبرتها على حذف البوست بعدما أدركت أنها لا تعرف تاريخ هذا الوطن.

وقد حظيت كل هذه الأحداث باهتمام غير عادي تابعته في الصحافة العالمية، في مقابل أنني لم أجد خبرًا بارزًا عن الانتخابات البرلمانية المصرية!

وهذا ما يؤكد رأيي الذي قلته في البداية بأن هذا الشعب في قمة اليقظة، في مقابل حكومة في قمة النوم.

واستعجبت وتعجبت عندما قام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بمطالبة المصريين بالخروج للإدلاء بأصواتهم في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية في 14 محافظة.

وكانت المفاجأة والزلزال السياسي أن قامت المرشحة الانتخابية والزميلة الصحفية (نشوى الديب)، وبعد بدء الانتخابات بدقائق قليلة وفي الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت إمبابة، بإعلان انسحابها من الانتخابات نتيجة "التدخل الفاضح من الحكومة ضد إرادة الجماهير".

وقد حذرنا مرارًا من أن الإصلاح السياسي الذي نادى به رئيس الجمهورية لا يسير في الاتجاه الصحيح، بل يمضي في الاتجاه المعاكس. فهل تُواجَه امرأة تدخل انتخابات مجلس النواب مستقلة بهذه الحملة الشعواء، وعدم دخول مندوبيها اللجان الانتخابية؟ وكأن الانتخابات تُجرى في بلد آخر.

هناك فرق بين الإصلاح السياسي وترك مساحات من حرية التعبير للجماهير، والانغلاق السياسي الذي تمارسه الحكومة باستخدام أدواتها من التعبئة لصالح بعض الأحزاب على حساب سمعة هذا الوطن.

ومن المفارقات الغريبة أن يأتي هذا وسط زلزال سياسي حدث في نيويورك، بعدما تحدى زهران ممداني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفاز، وهو شاب لا يتجاوز عمره 34 عامًا، وأصبح الآن عمدة نيويورك. وزهران مسلم وُلد في أوغندا وعاش في أمريكا وتزوج من امرأة سورية مسلمة.

ولأن هناك مساحة من الحريات والرأي والرأي الآخر استطاع ممداني أن يصل إلى قلوب الشباب، بل إنه تحدى المنظومة السياسية الأمريكية كلها، وقال إنه إذا جاء نتنياهو إلى نيويورك سيقوم بالقبض عليه وتسليمه للعدالة الدولية، ولعب على وتر معيشة المواطنين ومعاناتهم، موضحًا أنه يمثل العدالة الوظيفية لأبناء نيويورك، قبلة المال والاقتصاد ومركز اللوبي اليهودي وموطن الرئيس ترامب نفسه. ورغم هذا اكتسح هذا الشاب المسلم انتخابات مدينة نيويورك، أكبر عاصمة اقتصادية في العالم، ولم يتم تزوير الانتخابات أو استخدام المال السياسي في تغيير إرادتهم واختياراتهم، ولم يُستخدم البلطجة أو الكراتين.

وهذا في حد ذاته يعطى رسالة قوية حذرنا منها من قبل: أن هناك خوفًا شعبيًا من تكرار سيناريو 2010، وهذا ما نتمنى ألا يتحقق.

والنقطة التي لا أجد لها إجابة: لماذا يُمنع مندوبو مرشحة من دخول المقرات الانتخابية لمتابعة سير العملية الانتخابية؟

هذه إدانة واضحة واتهام صريح للحكومة التي فشلت فشلًا ذريعًا في أن تكون محايدة وعلى مسافة واحدة من كل المرشحين، وأنها تدعم فريقًا أو اتجاهًا أو حزبًا لا وجود له في الشارع السياسي في مصر، وإذا تم عمل استبيان عليه سيفشل في الحصول حتى على الأقلية.

المشكلة الأخطر أنهم لم يكتفوا بما يسمى ببدعة القائمة الوطنية الموحدة، التي لم يحدث مثلها في أي انتخابات من قبل، سواء قبل الثورة أو بعدها، بل يحاولون الاستيلاء على المقاعد الفردية أيضًا، لتكون النتيجة الفوز بأغلبية ساحقة لا تحدث حتى في برلمان (الواق واق).

هذه لطمة ورده عن الديمقراطية؛ ففي الوقت الذي يحترمنا فيه العالم بعد افتتاح المتحف المصري الكبير، وبعد فوز خالد العناني بمنصب مدير منظمة اليونسكو، نجد على الضفة الأخرى حكومة تحاول وتتفنن في تهييج وتعبئة الرأي العام المصري ضدها، وتفشل في ملف الإصلاح السياسي كما فشلت في ملف الإصلاح الاقتصادي، هذه حكومة لا تعرف قدر مصر وشعبها، وتتعامل معه بنوع من الاستعلاء وعدم المسؤولية.

وحقيقةً ما كنت أنوي أن أتحدث عن هذه الانتخابات بعد أن تم استبعادنا منها، ولكن كان عزاؤنا الوحيد هو الطوفان الشعبي الذي رفض الموقف، وهذا يكفينا، فالحصانات لا تبني الأوطان، ولكنها تبني ذممًا خربة تأكل وتتربح وتتوحش على حساب هذا الشعب العظيم.

هل يُعقل، ونحن في الألفية الجديدة، أن يمثل المنوفية ودائرة منوف مرشح حاصل على دبلوم زراعة في بلدٍ يعج بالباحثين وأساتذة الجامعات والمؤهلات العليا في كل التخصصات؟! مع احترامنا الشديد لحملة المؤهلات المتوسطة، فهم أهلنا وإخوتنا، ولكننا نتحدث عن تشريع قوانين لبلدٍ بحجم مصر، فهل مثل هذا الشخص قادر على التشريع والرقابة؟ ولكل مقامٍ مقال. ونتحدث أيضًا عن مبالغ ضخمة سمعنا عنها لشراء المقاعد، فمن أين لك هذا يا هذا؟ أتحدى أن يقوم بتقديم إقرار ذمة مالية.

وهل يُعقل أن يُتَّهَم أشقاء أحد المرشحين وأبناء من عائلته بالاتجار في المخدرات ويُرشَّح هو؟ أفيقوا يرحمكم الله.

فإذا أردنا دولة قانون فعلينا أن نعتمد على الأكفاء والمستقلين، أما إذا أردنا برلمانًا ضعيفًا كسابقه فلنأتِ بفاشلين جاءوا من المجهول السياسي ويمتلكون أموالًا لا نعرف مصدرها.

هل يمكن بناء دولة قوية بدون برلمان قوي وشخصيات وطنية؟

وكما قال الأديب الألماني جوته: (من يجهل مصر يجهل فجر الإنسانية).

أو كما قال ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق: (إن مصر هي جوهرة الشرق ومفتاح إفريقيا وجسر العالم القديم إلى الجديد).

فلماذا يا حكومة نهين مصر وشعبها من خلال انتخاباتٍ برلمانية عبثية مشكوك في مصداقيتها ونزاهتها قبل إعلان النتائج؟ كان الأولى أن تقوموا بتعيين الأعضاء بدلًا من أن تُشغلوا الناس بمهزلة برلمانية، كنا في غنى عن هذا، إذا كانت هناك مساحة أو طاقة من الحرية والديمقراطية أو فتح شبابيك ونوافذ تُدخل أكسجينًا جديدًا للحياة البرلمانية والسياسية، واختيار نواب من الشعب يدافعون عن الوطن في المحافل البرلمانية والدولية، ويكونون صوت الشعب تحت قبة البرلمان، وليسوا موالين للحكومة التي جاءت بهم.

ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

إعلان

إعلان