مهرجان كارلوفي فاري الدولي.. والسينما حين تُصبح وطناً

أمل الجمل

مهرجان كارلوفي فاري الدولي.. والسينما حين تُصبح وطناً

د. أمل الجمل
07:21 م السبت 04 سبتمبر 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هناك مهرجانات سينمائية تختتم فعالياتها، مع ذلك يبقى المرء لفترة طويلة قادراً على الحكي عن جوانب متعددة منها، أو الكتابة عن أفلامها بسعادة وبهجة. من بين هذه المهرجانات كارلوفي فاري السينمائى الدولي، الأهم والأعرق في وسط وشرق أوروبا، والذي يُعد قِبْلة للسينمائيين وعشاق الفن السابع. كما يُعد أحد أهم ستة مهرجانات في العالم، لأن السينما محدودة الإنتاج، وذات الميزانيات المتقشفة تجد لنفسها مكاناً للعرض على جمهوره طالما كانت تلك السينما عالية الجودة على المستويين الفني والفكري.

لاشك أن الدورة الأخيرة التي حملت الرقم ٥٥ في تاريخ المهرجان العريق- الذي بدأ أولى دوراته عام ١٩٤٦- واجهت كثيراً من الصعاب، بسبب وباء كوفيد ١٩، الذي تسبب في تأجيلها مرتين. لكن إدارة المهرجان وفريق عمله، الذي يُشبه جيشاً منظماً دقيقاً ملتزماً، من عشاق الفن السابع نجحوا في التصدي لجميع تلك التحديات، وقدموا دورة ناجحة متألقة ببرنامج متنوع وأفلام ذات مستوى مرتفع، لدرجة أنني فُوجئت بمنحي الكثير منها خمس درجات، وهى أقصى درجة تُمنح للأفلام المتميزة.

عيون حذرة

دعونا نبدأ من «اللوجو»- أو الشعار- الذي رُسم ونُفّذ لهذه الدورة. لقد تم تصميمه بحيث يُعبر عن الرقم ٥٥ مكتوباً باللغة الإنجليزية. تُرك رأس الرقم خمسة كما هو، وتم الاشتغال على نصف الدائرة التي تستكمل شكل الرقم. من خلال اللونين الأبيض والأسود- وبالتحريك- بدت لنا كأنها عين بشرية، كأنها الغلاف الخارجي الأبيض للعين والحدقة السوداء. ربما لن تُدرك مباشرة المعنى القوي للشعار في الصور الثابتة للوهلة الأولى، لكنه يبدو أكثر وضوحاً في لقطات الفيديو، بحركة الحدقة يساراً ويميناً، أعلى وأسفل، كأن العين في حالة استكشاف ومراقبة وقت الحذر، وليس فقط في حالة مشاهدة أو إبصار، وهو بالفعل ما قام به المنظمون طوال مدة إقامة المهرجان الممتدة بين ٢٠-٢٨ أغسطس الماضي.

فطوال تسعة أيام كانت القاعات مكتظة بجمهور المشاهدين، وقاعة فيديو المكتبة، وقاعات المناقشة، أو الطُرق المؤدية إلي مقر منصة المهرجان التليفزيونية، أو إلى أماكن الاحتفالات المحيطة، أو في الممرات إلى مكاتب الصحافة أو إلى قاعات السينما المتعددة في فندق تيرمال، وغيرها من قاعات السينما المنتشرة في مختلف أرجاء مدينة كارلوفي فاري المشهورة بجوّها الاستشفائي وبمياه الآبار والعيون التي تزيد على ٣٠٠ عين، إضافة إلى نهرين تتجمع حولهما المباني بعماراتها ذات الطراز المتفرد، بألوانها الفاتحة المُبهجة الجميلة.

السيطرة على كورونا

رغم كل ما سبق، ورغم الزحام الشديد- إذ بيعت نحو ١١٢ ألف تذكرة في هذه الدورة- لكن لم يتم الإعلان عن حالة واحدة قد أصيبت بكورونا أثناء فعاليات المهرجان، فماذا فعلوا وكيف نجحوا في ذلك؟ لقد اشترطت إدارة المهرجان الالتزام بالعزل الذاتي لمدة خمسة أيام للقادمين من خارج جمهورية التشيك، بعدها يُعاد إجراء اختبار كوفيد ١٩، الذي يُجرى للجميع، إن تأكد سلبية الاختبار تُوضع أسورة حول الرسغ تحدد تاريخ صلاحية الاختبار، ثم يُعاد تجديده. كانت هذه الأسورة هى جواز المرور الأول إلى مقر المهرجان وقاعاته.

يضع المهرجان التشيكي في اعتباره الجمهور دائماً، يُفكر فيه، ويحرص على إرضائه. وهذا ليس عيباً، فالمهرجان أساساً يُقام لأهل البلد، بفضل أموال دافعي الضرائب، إضافة إلى مساندة الرعاة وهم كُثر.

يُدرك منظمو المهرجان العريق تماماً التفاوت في أذواق الجماهير، فنجحوا في تحقيق المعادلة الصعبة سواء على مستوى الأفلام وتنوع تيماتها ومعالجاتها، أو سواء على مستوى النجوم المكرمين أو المحتفى بهم، فمثلاً: استضافوا نجما جماهيريا مشهورا بأنه معشوق الشباب لحد الهوس، إنه جوني ديب الذي يُعتبر أيقونة سينمائية تجتذب المراهقين ومَنْ هم في سن الشباب. وإلى جانب ذلك يقوم المهرجان بتكريم اثنين من عمالقة فن التمثيل، من العيار الثقيل فكرياً وثقافياً، هما؛ الممثل البريطاني السير مايكل كين- حائز جائزتي أوسكار - الذي مُنح جائزة إنجاز العمر في كارلوفي فاري؛ لمساهمته الفنية البارزة في السينما العالمية، كما عُرض له في هذه المناسبة أحدث أفلامه «الأفضل مبيعاً».

لقاء الجمهور بالمبدعين

كذلك تم تكريم الممثل إيثان هوك، الذي مارس التمثيل والإخراج وكتابة السيناريو وكذلك الرواية، كما أن زوجته تنتج له كثيراً من أفلامه، والذي وصفه كارل أوخ المدير الفني للمهرجان التشيكي بأنه «ممثل ومخرج مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمشهد الفيلم المستقل في تكساس»، وبهذه المناسبة عرض له فيلم «الإصلاح الديني الأول» للمخرج بول شريدر، والذي يصور فيه ببراعة قس أبرشية في أزمة إيمان.

كارل أوخ، المدير الفني للمهرجان، يُدرك جيداً أهمية العلاقة بين المبدعين وجماهيرهم العريضة؛ لذلك نراه يقول: «كُتب كثيراً عن الخبرة المتشاركة بتفرد بين جمهور لا يعرف بعضه البعض في نصف إضاءة. كتب كثيراً عنها، خصوصاً في وقت كان من الصعب أثناءه تحقيق ذلك - بسبب تفشي كورونا - وإن كان تحقيق هذه الخبرة التشاركية هو أحد أولوياتنا، لكن يُضاف إليها أيضاً بناء الجسور بتوفير تلك اللقاءات بين مبدعي الأفلام وصناعها وبين الجمهور، لأجل تقوية العلاقة وتغذية الطرفين إلى حد الازدهار».

لذلك لم يكن غريباً أبداً، في الدورات السابقة، كما في الدورة الأخيرة - التي اُحتفل فيها بعمر المهرجان البالغ خمسة وسبعين عاماً، منذ نشأته - أن يحرص منظمو المهرجان على لقاءات مع النجوم والمخرجين، وفتح أبواب النقاش وتلقي الأسئلة من الجمهور أحياناً.

لذلك أيضاً، حرصت إدارة المهرجان- في خطوة رائعة- على إطلاق منصة خاصة بالمهرجان، تبث الحوارات مع الضيوف وصناع الأفلام، تنقل أبرز الفعاليات وما دار في القاعات من مناقشات وتقديمات. والحقيقة أن المنصة قدمت تغطية رائعة غير تقليدية للفعاليات، بحيث يمكن لأي متصفح للإنترنت وقادر على الولوج لموقع المهرجان أن يتابع أنشطته وتصريحات ضيوفه بكل ما فيها من عمق وثراء بشأن السينما وكل ما يُؤثر عليها.

لم يغفل المهرجان كعادته الموسيقى والاحتفالات كأحد جوانبه المهمة، فكان ذلك بارزاً منذ الافتتاح وحتى ليلة الختام وما بينهما، فقد اُفتتح واختتم بالعرض الأدائي الراقص الذي استند على فكرة اللوجو والرقم ٥٥ الذي شرحناه في مقدمة المقال. كان الرقص تجريدياً بديعاً، ونفس الفرقة قدمت نفس الرقصة في الختام، ببساطة وهدوء وثقة المحب لما يفعل. ثم كان للفرقة دور آخر بعد أن ارتدت ألواناً مبهجة - كما عمارة مدينتهم - تنتمي لعصور متفاوتة يجمع بينها الأناقة والبساطة والرقي وبهجة الحياة.

جماليات الختام وأناقته

التشكيل البصري على المسرح كان جزءاً من أناقة حفل الختام. قام بتقديم الحفل مارك إبين. هو نفسه مقدم حفل الافتتاح. إنه ممثل تشيكي وموسيقي، وقبل كل شيء مشهور بأنه مقدم برنامج تلفزيوني. أكسبه سلوكه الجاد المحترم وذكاؤه شعبية هائلة في بلاده. أثناء تقديمه للجوائز والتكريمات كان لأبطال هذه الفرقة الراقصة دور آخر؛ إذ حمل أفرادها جميع الجوائز وأحضروها إلى المسرح دفعة واحدة. وضعوها في موقعها، ثم اصطفوا إلى جوارها في خلفية المسرح. عندما كان يُعرض أي برومو لأحد المكرمين، أو تريلر فيلم، فجأة، وقبل أن يبدأ العرض تجد جميع أفراد الفرقة وقد ركضوا بخفة على أرض المسرح لئلا يحجبوا الرؤية، ثم بعدها ينهضوا ليناولوا الجائزة للرئيس أو الشخصية الشرفية التي ستقدمها للفائز.

استغل منظمو الحفل وجود ضيوف ونجوم كبار في توزيع الجوائز المهمة، كما فعلوا مع إيثان هوك الذي سلم أكبر جوائز المهرجان بنفسه- الكرة الكريستال- لمخرج الفيلم الصربي «أسير لأبعد ما أستطيع». أما ما يخص منطقتنا العربية في كارلوفي فاري السينمائي الدولي فقد أصبح للمهرجان اهتمام متزايد بها منذ تولي الناقد السينمائي المصري جوزيف فهيم مسؤولية ترشيح الأفلام القادمة من الشرق الأوسط، ونجاحه في إقناعهم بتوسيع المفهوم الجغرافي لمسابقة «شرق الغرب» لتضم أفلاماً من المنطقة العربية، كما حدث في سنوات سابقة، وهذا العام نجد أفلاماً متنوعة من مصر والعراق، والمغرب، ولبنان، في خطوة تدل على اهتمام حقيقي بسينما المنطقة.

الحقيقة أن تأمل أركان المهرجان وتفاصيله، يجعلنا نؤكد أن هناك جيشاً من عشاق السينما، يجمع بينهم الشغف بهذا الفن السابع، فيعملون بإخلاص لإنجاح مهرجانهم الأهم والأعرق، والذي يعتبرونه وطناً آخر، أو كما قال رئيس المهرجان الممثل السينمائي والمسرحي المرموق ييري بارتوشكا: «إن هذه الأزمة الوبائية جعلت العالم يعيش وقتا مليئا بالتحدي، لكنها أيضاً أظهرت إلى أي حد لا يمكن استبدال الفن والثقافة ودورهما في حياتنا بأي شيء آخر، كما أظهرت أن مشاركتنا هذه الخبرات عبر المشاهدة السينمائية قادرة على أن تُزيدنا ثراءً».. فتحية تقدير لكل مَنْ ساهم بفعله وفكره في تنظيم هذا المهرجان التشيكي العريق.

كورونا.. لحظة بلحظة

أخبار الكورونا
883

إصابات اليوم

46

وفيات اليوم

819

متعافون اليوم

321967

إجمالي الإصابات

18151

إجمالي الوفيات

271792

إجمالي المتعافين

إعلان

إعلان

Masrawy Logo loader

إعلان

خدمة الاشعارات

تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي