التراحم الاجتماعي المصري في مواجهة تعاقدية الحداثة المادية

طارق أبو العينين

التراحم الاجتماعي المصري في مواجهة تعاقدية الحداثة المادية

طارق أبو العينين
09:18 م الإثنين 16 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بين ثنايا مشهد الخوف والارتباك الذى هيمن على مصر، نهاية الأسبوع الماضي، سواء بفعل عاصفة التنين، التي أودت بحياة 20 شخصاً أو تفشي وباء كورونا على المستوى العالمي، برزت نقطة ضوء إيجابية في نهاية نفق الخوف والارتباك، وهى موقف قطاع عريض من شباب مصر، هب لنجدة العالقين بفعل العاصفة؛ فدعوة الشاب المصري النبيل شريف خيري (كلنا لبعض) التي أطلقها أثناء العاصفة، ونجح من خلالها في انتشال 120 سيارة عالقة في مياه الأمطار لم تكن هي الوحيدة؛ فقد انتشرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي عشرات الدعوات التي غطت معظم محافظات مصر لاستضافة وإطعام كل من تعثرت محاولته للعودة إلي منزله بفعل العاصفة.

ويعتقد كاتب هذه السطور أن تلك الملحمة الرائعة لشباب مصر تعكس، بكل تأكيد، صراعاً تاريخياً بين نموذجين لتقسيم المجتمع، وخصوصاً داخل مدرسة علم الاجتماع الألماني:

النموذج الأول هو المجتمع العضوي التراحمي المترابط (الجماينشافت)، أما النموذج الثاني، فهو المجتمع التعاقدي الذري المتفتت (الجيسيلشافت).

ويعتقد الكاتب والمفكر المصري الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابة "رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمار" أن هذا الانقسام بين النموذجين قد ظهر في ألمانيا وأثر في علماء الاجتماع الكبار هناك، مثل ماكس فيبر؛ لأن المجتمع الألماني كان أقل المجتمعات الغربية تحديثاً، مقارنة ببقية المجتمعات الأوروبية حتى بدايات القرن التاسع عشر.

ومن ثم، فإن نشأة وبزوغ مجتمع الحداثة الصناعي القائم على التعاقد العقلاني الذي تُغلب فيه المنفعة على القيم الإنسانية تمَّا في ظل جيوب للمجتمع التقليدي التراحمى الذي يُغلب، في المقابل، القيم الإنسانية على المنفعة، ومن ثم فإن علماء الاجتماع الألمان قد رأوا مجتمع الحداثة التعاقدي البازغ بعين المعرفة المقارنة في مواجهة المجتمع التقليدي التراحمي، فكان ذلك كفيلاً بأن يرى علماء الاجتماع الألمان كلا النموذجين بمزاياهما وعيوبهما.

ومن ثم، كانت تلك الرؤية المركبة مفتاحاً لكل التيارات والمدارس الفكرية التي انتقدت مشروع الحداثة انطلاقاً من تكريسها لنموذج المجتمع التقليدي التراحمي المرتكز على القيم والمطلقات الإنسانية في مواجهة نموذج المجتمع التعاقدي الحداثي المادي المتفتت القائم على اللذة المنفعة، بدءاً من الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني كارل ماركس، مروراً بالفيلسوف المجرى جورج لوكاش، وصولاً إلي منظري مدرسة فرانكفورت الكبار، مثل الفيلسوف الألماني هربرت ماركيوز ورفيقه يورجن هابرماس.

ولذلك يمكن القول إن ما فعله شباب مصر النبيل- على الرغم من عفويته- يعد تكريساً لنموذج المجتمع التراحمى الذى يهب لنجدة الضعيف بفعل قيمه التي غرستها فيه التكوينات الاجتماعية التقليدية، مثل الأسرة والقرية، أو المرجعية الدينية الغيبية، في مواجهة النموذج التعاقدي المادي القائم على المنفعة الفردية ومقولة أنا ومن بعدى الطوفان.

فعلى الرغم من اتكاء هذا الأخير على منجز منظومة الحداثة العلمي والتقني والاقتصادي، فإنه لم يُفلح في اقتلاع الإنسان من إنسانيته ولا في القضاء على منطق تفكيره البطولي الذى يدفعه وقت الأزمة إلى ركل مصلحته ومنفعته المادية بقدمه من أجل ترسيخ مبدأ وقيمة إنسانية بنجدة ضعيف أو إعانة مسكين.

ومن ثم، أعتقد، في النهاية، أن هذا الفعل المصري الشبابي النبيل يجب أن يفتح على المستوى المعرفي بابًا واسعاً يرصد من خلاله الباحث والمثقف المصري نموذج الحداثة الغربي بمزاياه وعيوبه قبل الدعوة إلى تبنيه ونقله حرفياً من الغرب بقده وقديده! فعلى الرغم مما أصاب بلادنا من فقر وتخلف على كل الأصعدة، فإن لدينا ما يجب أن ندافع عنه ونتمسك به وهو إنسانيتنا وتراحمنا في مواجهة مادية تلك الحداثة وقسوتها.

إعلان

إعلان