الشعور بنهاية العالم

د. أحمد عمر

الشعور بنهاية العالم

د. أحمد عمر
09:00 م الأحد 15 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كل شيء في حياتنا محكوم ببداية ونهاية. وكل بداية تحمل في طياتها جنين نهاية قادمة. وكل نهاية تحمل في طياتها جنين بداية جديدة. والله وحده هو الأزلي الأبدي، الذي لم تكن له بداية، ولن تكون له نهاية.

وقد عرفت ديانات العالم التوحيدية (اليهودية والمسيحية والإسلام) وغير التوحيدية من أديان وضعية من صنع البشر في حضارات مختلفة - فكرة نهاية العالم، ثم إعادة ميلاده، وتأسيس حياة جديدة على الأرض من خلال بشر مختارين.

وقد تجسدت هذه الفكرة في السرديات الكبرى التي جاءت بها الأديان، مثل "قصة الطوفان" الذي يجتاح الأرض، كعقاب للبشر على ظلمهم وتجبرهم، واستنزافهم مقومات الحياة المادية، ومخالفاتهم الفطرة الإنسانية والقيم الأخلاقية.

كما تجسدت هذه الفكرة حديثاً في السينما العالمية التي قدمت أساطير معاصرة لنهاية العالم، كما هو الأمر في فيل (Knowing) بطولة النجم الأمريكي القدير نيكولاس كيدج، وهو من إنتاج عام 2009.

ويستلهم هذا الفيلم جوهر قصة الطوفان التي جاءت في السرديات الدينية الكبرى، ولكنه يضفي عليها طابعاً علمياً، ويًعطيها شكلاً جديداً؛ لأن نهاية العالم فيه تأتي من حدوث نشاط كبير في التركيب الداخلي للشمس يؤدي إلى انفجارها، واحتراق وتلاشي كل الكائنات الحية والموجودات على سطح الأرض.

ولكن ذلك لا يحدث إلا بعد أن تأتي كائنات سماوية غير معروفة الهوية، تقوم بإنقاذ طفل وطفلة مختارين بمعايير خاصة، والرحيل بهما عن الأرض قبل خرابها، لكي يكونا نواة لإعادة إنتاج الجنس البشري من جديد، وتجديد الحياة على الأرض. لينتهي الفيلم برسالة حاسمة هي: "وحدهم المختارون يذهبون".

وأظن أن فكرة الطوفان ونهاية العالم في سرديات العالم القديم أو في تلك السردية العلمية السينمائية الحديثة، تثبت بشكل ضمني وجود الله، وأن للعالم خالقا مدبرا. وهي تُسقط كل الأفكار المادية حول نشأة العالم، التي تستبعد أنه مخلوق من العدم بواسطة إله، وتُعطي للإنسان السيادة المطلقة على الأرض.

كما أنها تحمل رسالة ضمنية للإنسان الظالم المُتجبر المغرور بقوته، مؤادها: أيها الإنسان لست إلهاً. كما تحمل رسالة ضمنية للإنسان المظلوم، الباحث عن عدالة الله، مؤداها: أن الطوفان القادم سوف يُطهر الأرض، وأن لكل شيء نهاية، وعند الله يجتمع الخصوم.

وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك في قول الله- تعالى: "... حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ..." سورة يونس - الآية (24).

وأظن أن مضمون هذه الآية يُلخص الحكاية، ويُثبت لكل صاحب عقل يُفكر أن لهذا الكون ربا قادرا، له الكلمة الأخيرة في تدبير شئون هذا الكون، بعيداً عن حسابات ومُخططات مراكز القوى على هذه الأرض.

إعلان

إعلان