مترو الأنفاق وسباق الأرانب

أمينة خيري

مترو الأنفاق وسباق الأرانب

أمينة خيري
09:00 م الإثنين 17 فبراير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بعد غياب أشهر عن وسيلة المواصلات العامة المفضلة والمحببة لي ألا وهي مترو الأنفاق، عدت. والعود أحمد. هناك تغيير واضح في مستوى الخدمة. وهناك من بات يلتفت لنقاط الإهمال والبلادة واللكلكة التي كانت سمة الغالبية المطلقة من العمل في محطات المترو على الخطين الأول والثاني؛ إذ يبقى الثالث مجاهداً مقاوماً في الاحتفاظ لنفسه بمكان الصدارة في النظافة والآدمية.

أتذكر أن المرة الأخيرة التي ركبت فيها المترو كانت كارثية بكل المقاييس. كان هذا قبل نحو عام أو يزيد. فوضى عارمة بين الركاب، ولا سيما في المحطات المزدحمة، بلادة الجالسين خلف الأجهزة المخصصة لتفتيش حقائب الركاب حيث تغاضي كامل عن النظر إلى الشاشات والسماح لمئات الركاب باجتياز الحواجز الأمنية دون تفتيش، غلبة زوايا الصلاة في داخل حرم المحطات مع مشهد عشرات الأحذية المتراكمة وانصراف البعض من موظفي شبابيك التذاكر لأداء صلاة الجماعة في أثناء ساعات العمل، تعطل الكثير من ماكينات التذاكر، وتحول الكثير من العربات إلى "سويقة" للباعة الجوالين الذين كثيراً ما كانوا يشتبكون باللفظ والعراك بالأيدي مع بعضهم البعض.

والحقيقة أن التغيير واضح. مستوى النظافة أفضل بكثير، انتباه موظفي الأمن لضرورة وضع الحقائب على سير ماكينات الكشف واضح، إذاعة داخلية لتوضيح المحطات المقبلة بالعربية والإنجليزية مع توضيح جهة فتح الأبواب، مناشدة للركاب بعدم استخدام القوة للركوب أو النزول، والغالبية المطلقة من ماكينات التذاكر تعمل وبكفاءة شديدة، والمظهر العام أفضل جداً.

لكن تبقى آفة الباعة والبائعات الجوالين في العربات بدرجة مزعجة جداً. والآفة في الظاهرة وليس في الباعة أنفسهم الباحثين عن لقمة عيش. هذه الأعداد الغفيرة من النساء والرجال والأطفال الذي يبيعون كل شيء من الأغذية إلى أدوات التجميل والأدوات المنزلية وإكسسوارات المحمول وغيرها جيش جرار. من جهة المظهر الحضاري والإزعاج، فإن العشرات منهم يصعدون العربة نفسها، وينادي كل منهم على بضاعته محاولاً التغطية على زملائه وزميلاته، ومنهم من كون شبكة علاقات ممتدة مع أقرانه، لدرجة إنهم يبلغون بعضهم البعض بالهواتف المحمولة عن وجود "حملة" تفتيش في محطات بعينها. والطريف أن الركاب، ولا سيما الراكبات، يتطوعون للمساعدة في تمويه وجودهم في داخل العربات.

الجوانب الإنسانية مهمة، لكن جوانب النظام والقانون والتحضر أيضاً مهمة. والمؤكد أن هناك بدلاً من الحل عشرة لمساعدة هذه المئات، وربما الآلاف من الباعة الجوالين لكسب لقمة عيش دون تحويل عربات ومحطات مترو الأنفاق، هذا الصرح العظيم إلى عشوائية كبرى. إحدى البائعات أخذت تحسبن وتدعو على "الحكومة" التي تطارد "الغلابة" الذين لا يزعجون أحداً، ثم علا صوتها قائلة: "يعني نشتغل رقاصين علشان يرتاحوا؟!" هذه الثنائية المقصود بها دغدغة عواطف "الجمهور"، حيث تطبيق القانون تعني بالضرورة اضطرار البائعات للعمل في مهن "مخلة بالشرف" (الرقاصين في المفهوم الشعبي)، علينا أن نتعامل معها عبر طرح البدائل.

وهناك من البدائل ما هو آنيّ، حيث هؤلاء الباعة لا يمكن تجاهل عددهم وعدد الأسر التي يعولونها، ومنها ما ينبغي أن يدخل حيز التفعيل فوراً حفاظاً على ما هو آت. البائعة التي حسبنت وحوقلت وهددت بمتلازمة إما العمل الشريف في البيع الجوال، أو خسارة الشرف بالعمل في مهن مخلة لديها من الأبناء والبنات خمسة، رغم أنها في أوائل الثلاثينيات من العمر. وأغلب الظن أن لها من الأخوة والأخوات عدداً مشابهاً أيضاً. وأغلب الظن أن كلاً من الأخوة والأخوات له عدد آخر مشابه.

وبحسبة بسيطة، فإن الفقر متوارث. والإنجاب دون تفكير أو تخطيط متوارث. وتحميل الدولة مسؤولية هذه الأعداد المتفجرة متوارث. وفكرة عزوة العيال متوارثة. وخرافة أن العيال يأتون برزقهم متوارثة. وكسر حلقة التوريث هنا صارت ضرورة قصوى، وذلك بذراعين: الأولى توعية وتثقيف، والثانية قانون وتفعيل للسيطرة على سباق الأرانب الذي تحول وحشاً كاسراً.

وعودة إلى المترو الذي تستحق إدارته تحية ودعوة لاستمرار الاهتمام واستدامته، مع نظرة "تنموية" للباعة من قبل أجهزة الدولة المختلفة.

إعلان

إعلان