أصحاب الهمم (28).. إمام الأغنية الثورية 3

د طارق عباس

أصحاب الهمم (28).. إمام الأغنية الثورية 3

د. طارق عباس
09:00 م الخميس 13 فبراير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إن تجارب الفنان يصنعها مجمل خبراته، التي يشكلها وعيه بالأصالة والمعاصرة، والشيخ إمام هو هذا المزيج المتميز بين الاتساق بالموروث ومعايشة الواقع.. وقد جاءت ألحانه بالرغم من بساطتها وسلاسة إيقاعاتها نبعًا من الجدية والحماسة والرصانة الموسيقية والإيقاعية- إذا صح التعبير- إن الشيخ إمام وفق - مجمل إبداعه - نمط فني متفرد من عدة نواحٍ:

أولاً: من ناحية الصوت:

فقد اتسمت مساحة صوت الشيخ إمام بالتنوع النغمي، وحرية الحركة بين القرار والجواب، وهو في الحالتين يحلق بالمستمع في فضاء رحب من الموسيقى المفعمة بالإحساس الراقي، ويظهر التنوع في أداء الشيخ إمام - على سبيل المثال - في أغنيتي "البحر بيضحك ليه"، من كلمات نجيب سرور، و"أحزان القرد" من كلمات فؤاد قاعود، والأغنيتان من مقام العجم المعروف بصلاحيته للأغنيات الوطنية الحماسية فقط، ومع ذلك نجد الشيخ إمام في أدائه للأغنيتين متحمسًا برقة، وجادًا من خلال إيقاعات رشيقة تأخذ المستمع للإحساس بالنشوة والجمال، وعبر المساحة النغمية الممتدة يقفز إمام بصوته بلا قيد وبطريقة انسيابية يمتلك بها عالم المستمع وكأنه يجبره على أن يغوص في عالمه، هذا إضافة لحرصه على الارتجال خاصة في أدائه للموال، والذي يكشف عن مساحة صوتية متميزة على النحو الذي نراه في مقدمة أغنية إسكندرية الذي كتب كلماته الشاعر أحمد فؤاد نجم، والموال بعنوان: "موال السمك" فيه تنويع والقفز بالنغمات من منطقة صوتية إلى أخرى باقتدار، وتَمَكن وبراعة منقطعة النظير، يُبهِر المستمعين ويدفعهم للتفاعل معه، خاصة في الحفلات العامة كتلك التي كان يقدمها على مسارح فرنسا، والشيء اللافت أنه كان يحاول بصوته أن يُعَوض غياب أي آلات موسيقية معه بالأداء التعبيري أحيانا وإصدار أصوات تتطابق مع المعنى الذي يريد أن يُوَصله للمستمع كما في أغنيته الشهيرة "الحاوي".

ثانيًا: على مستوى اللحن:

من الواضح أن تميز الشيخ إمام اللحني جاء لإلمامه بالتراث الموسيقى ووعيه بتفاصيله، خاصة أنه عاصر عمالقة التلحين أمثال: الموسيقار محمد عبدالوهاب، الشيخ سيد مكاوي، الموجي، وبليغ حمدي وغيرهم، كما تأثر بأساطين التلحين أمثال: أستاذه درويش الحريري والشيخ علي محمود والشيخ زكريا أحمد وبالطبع الشيخ سيد درويش؛ لذلك خرجت موسيقاه محملة بالتنوع المقامي بين الرست والبياتي والعجم والحجاز والكرد والصبا، وتلك هي أبرز المقامات العربية التي تتفرع عنها الأجناس الموسيقية المختلفة، ولا شك أن اتساع ثقافته الموسيقية أهله لأن يختار من الأزجال والأشعار وكلمات الأغاني ما يناسب ذوقه، ويتخذه سفيرًا إلى المستمعين؛ فلم يكن رفيق دربه الشاعر أحمد فؤاد نجم هو مصدره الوحيد الذى كان يستقي منه الكلمات التي يلحنها ويغنيها، بل كان يلجأ لشعراء آخرين من مصر والعالم العربي أمثال: فؤاد قاعود، ونجيب سرور، ونجيب شهاب الدين، وزين العابدين فؤاد ومحمود الشاذلي، ومحمود الطويل وغيرهم.

أهم ما اتسمت به الجملة الموسيقية عند الشيخ إمام - إضافة للتنوع المقامي - هو البساطة والسلاسة ورشاقة الإيقاع والتتابع المنطقي بحيث تأخذك الجملة الواحدة إلى جمل أخرى متوقعة لكنها بالرغم من ذلك مشبعة بالإحساس والذوق والأصالة، ويمكننا أن نلمح أصداء ذلك التنوع وتلك البساطة في أغنياته: "الخط دا خطي، بائع متجول، بوتكات، بقرة حاحا... إلخ .

إن الشيخ إمام إفراز مرحلة تاريخية خطيرة أثرت وجدانه وأثراها بوجدانه، وكذلك هو بناء أقيم على أساس فهمه للذوق العام، وتفاعله مع قضايا مجتمعه؛ لذلك سيبقى في الوجدان والذاكرة.

إعلان

إعلان