أمة في خطر..!

د. أحمد عمر

أمة في خطر..!

د. أحمد عمر
09:00 م الأحد 08 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

أظن أن أزمة مصر الحقيقية، اليوم، هي أزمة ثقافية تنبع من عدم وجود حد أدنى من المعرفة والمفاهيم والقيم المشتركة بين الحكام والمحكومين، وبين أفراد المجتمع المصري بطبقاته الثلاث: الارستقراطية، والوسطى، والدنيا.

وينعدم- بسبب هذه الأزمة الثقافية- وجود مفهوم واضح ومشترك بين المصريين حول "مصر" وهويتها وانتماءاتها وأبعادها المختلفة، وأحلامها وطموحاتها وأولوياتها، ونظرية وثوابت أمنها القومي.

وينعدم- أيضًا بسببها- وجود معرفة واضحة ومشتركة بالأسس والقيم التي تحكم العلاقة بين طبقات المجتمع المصري المختلفة، والتي تحكم العلاقة بين الحكام والمحكومين، والتي تحدد كذلك واجبات وحقوق كل منهما تجاه الآخر، وواجبنا جميعًا تجاه هذا الوطن، وحقوقنا عليه.

ولهذا، فالجميع في مصر يتحدثون عن مصر مختلفة عن مصر بتاعة المصريين التانيين، ويفكرون فيها انطلاقًا من وضعهم الطبقي وموقعهم وقربهم من السلطة أو بعدهم، بشكل مختلف عن الآخرين؛ حتى أصبحت مصر مجموعة جزر منعزلة؛ سكان كل جزيرة منها يعيشون بشكل مختلف عن الآخرين، ويتكلمون بلغة مختلفة عن الآخرين.

وبهذا أصبحت مصر مجتمعًا، لا تجمع بين أفراده قواسم وقيم وأحلام وروئ مشتركة، ومجتمعًا يسوده سوء الفهم المتبادل وانعدام الثقة بين الحكام والمحكومين، وبين أبناء طبقاته المختلفة.

وأظن أن هذا هو الخطر الحقيقي الذي تواجهه مصر اليوم، وهو خطر الانقسام المعرفي والثقافي والقيمي بين المصريين، وخطر العزلة والصراع بين مكوناته المختلفة.

وهو خطر وُضعت بذوره الأولى في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ونجني ثماره المرة اليوم؛ ولهذا فالأولوية القصوى الآن هي العمل على مواجهة هذا الخطر بإعادة توحيد مصر، وتثبيت دعائم السلام الاجتماعي فيها، من خلال وضع عقد اجتماعي وثقافي ووطني جديد، يَدعم الأواصر والقواسم المشتركة بين المصريين بمختلف مواقعهم وطبقاتهم، ويمد بينهم جسور الثقة والتفاهم وقبول الآخر، ويسمح بالاختلاف والتنوع الذي يُثري المجموع ويصب في صالح الكل.

عقد اجتماعي وثقافي ووطني جديد، يُعيد الروح للمصريين، ويُنمي وعيهم النقدي والتاريخي، ويؤهلهم لتقبل ومواجهة متغيرات وتحديات عصرهم الراهن، ويجعلهم قادرين على صنع مستقبل يليق بالميراث الحضاري العظيم لهذا الوطن.

قديمًا قال الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الفرنسي إرنست رينان: "لا وجود للأمة بدون وجود رغبة بين أفرادها في العيش معًا، ورغبة في بناء شيء معًا".

وأظن أن هذه الرغبة التي تُعد جوهر وجود الأمة وسر استمرارها وتميزها تتأسس على معرفة ومفاهيم وقيم مشتركة بين أفرد هذه الأمة، وبدونها تصبح الأمة في خطر؛ ولهذا فنحن- المصريين- اليوم أمة في خطر.

وهذا ما يجب أن ننتبه جميعًا إليه، بدلًا من انشغالنا العبثي الحالي بتوافه الأمور والناس والأحداث.

إعلان

إعلان