"أسنان الطفل" و"جلوريا موندي" ..عذابات الإنسانية الجميلة في "فينيسيا"

أمل الجمل

"أسنان الطفل" و"جلوريا موندي" ..عذابات الإنسانية الجميلة في "فينيسيا"

د. أمل الجمل
09:00 م الخميس 05 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بينما يكاد المهرجان يقترب من ليلة الختام التي ينتظرها الكثيرون خصوصاً صُناع الأفلام، يُفاجئنا منظمو مهرجان "فينيسيا السينمائي" في دورته السادسة والسبعين بعدد من الأفلام؛ شديدة الإنسانية المصنوعة برهافة سينمائية بالغة العذوبة، فقد شاهدت صباح أمس الأربعاء الفيلم القادم من أستراليا للمخرج شانون ميرفي بعنوان "أسنان الطفلة babyteeth"، وهو في المقام الأول شريط سينمائي عن المشاكل التي تُكسر العلاقات بين الأجيال، خصوصاً بين الأولاد ووالديهم، فعلى ما يبدو أن صراع الأجيال والارتباكات الأسرية والعائلية تيمة تؤرق عددًا من المبدعين وتطفو على سطح العالم هذا العام، وربما يكون الأمر إنعكاسًا للاضطرابات التي أصابت العالم اقتصاديًا وسياسيًا، ومن ثم يعود المبدعون إلى الوحدة الأولى التي يتكون منها الوجود، وهي الأسرة والعائلة بحثاً عن التطهر أو الخلاص وربما محاولة للتصالح، محاولة لاتخاذ بداية جديدة تقود إلى بدايات كونية أخرى.

هنا، بفيلم "أسنان الطفلة" يتعامل السيناريو مع نموذجين؛ شابٍ وفتاةٍ في مرحلة المراهقة. فيقدم لنا الفيلم أسرة مكونة من أبٍ طبيبٍ وزوجته تعاني قلقاً واضطراباً نفسياً بينما هو معالجها، لديهما فتاة وحيدة - في السادسة عشر من عمرها - تعزف على الفيولينة، بينما كانت الأم تعزف على البيانو، لكنها لم تعد، أو بالأحرى نجدها تفعل ذلك مرات قليلة تحت إلحاح ابنتها فيعزفان حواراً موسيقياً بديعاً.

في المقابل هناك أيضاً شابٌ مراهقٌ مدمنٌ فاشلٌ، لكنه خفيفُ الظل، مرحٌ، لديه جاذبية كبيرة، وكثيرٌ من الشقاوة. لكنه أيضاً منبوذٌ من أمه وأخيه الطفل الصغير جداً؛ لأنه لم يتخلص من إدمانه، وهرب من المصحة، فيطردانه من البيت كلما زارهم، بسبب الشعور بعدم الثقة فيه، وبأنه يمثل خطرًا كبيرًا على العائلة.

الفتاة وحيدة أبويها، تعيش حياة رتيبة، جافة روتينية، لا يربطها بزميلاتها أي علاقة إنسانية أو رابطة قوية، تقع الفتاة في غرام الشاب المدمن الذي يقتحم حياتها وهي واقفة على رصيف القطار في الطريق للمدرسة. يصطدم بقوة وعنف بكتفها في لحظة وصول القطار، وفجأة يتوقف على الحافة محلقًا مثل الطائر بذراعيه حتى نكاد نتخيل أن ما نراه هو حادث انتحار، لكننا سرعان ما نكتشف أنه يجيد لفت الأنظار بالإقدام على الأفعال الخطرة.

تقف الفتاة مكتومة الأنفاس، لا تصعد إلى ذلك القطار، ولا الذي يليه. يُعلق الشاب الذي يحمل اسم "موسيس" على شعرها بتشبيهات غريبة تروق لها، يطلب منها بعض المال، تقدم له خمسين يورو، لكنه يرفض إذ يرى المبلغ كثيرًا بينما هو يريد مبلغًا قليلًا، يعجبها تصرفه فتطلب منه خدمة مقابل أن يأخذ الخمسين يورو، تطلب منه أن يقص لها شعرها، حينئذ تبدو بالفعل أجمل، ثم لاحقًا تحلق شعرها نهائياً في مشهد مقبض ينبئ بمأساة رغم جمال هيئتها وهي حليقة الرأس، وعندما تذهب إلى المدرسة ترتدي الباروكة.

الفتاة تأخذ الشاب المدمن إلى البيت، تُقحمه على الأبوين الذين فجأة ينسيان همومها ويشعران بالخطر، تحاول الأم أن تبعده دون جدوى، كذلك الأب يحاول. أثناء ذلك نرى الجارة الحامل، وبحثها الدائم عن كلبها هنري الذي يحمل نفس اسم الأب الطبيب، وعلاقتهما البريئة المحملة بخطوط وطبقات تحتية، بكل ما تخلقه من مواقف مثيرة للابتسام مراتٍ، والضحك في أحيان أخرى، يدور بينهما حوار سريع وحديثهما عن الجنين الذي يركلها، في مشهد يُعبر عن ارتباك الرجل الطبيعي الذي يحاول من دون وعي التنفيس عن توتره وقلقه.

المخرج قسم فيلمه إلى مقاطع عديدة قصيرة بعناوين متوالية، تحكي عن الحب الذي يمنح الحياة معنىً ومذاقًا بديعًا، عن الحب الذي يعيد الأموات للحياة مجدداً، عن الغيرة بين أبناء الجيل الواحد، والغيرة بين العشاق، عن العواطف المفتقدة، عن ضعف الإنسان في قتل مَنْ يُحب، عن القلق والتوتر في هذه الأوساط الراقية التي تعيش حياة مرفهة تبدو وكأنه لا ينقصهم فيها شيء. ثم المعاناة والألم الذي يعيشه هذا الأب والرجل الذي كان يبدو قوياً متماسكاً، وقادراً على إدارة الأمور بحكمة كبيرة، لكنه عندما يعرف أنه سيفقد ابنته المريضة التي تعيش أيامها الأخيرة يتحول لكائن هش مثل الورقة في مهب الريح، مثل الزجاج المهشم، فنعايش حالة الفزع الذي تصيبه، لدرجة أنه يبدأ في تعاطي المورفين، ثم يحاول أن يعقد صفقة مع الشاب المدمن، إذ يعرض عليه أن يكتب هو له الروشتات التي يحتاجها لشراء الأدوية المخدرة التي يدمنها في مقابل أن يعيش معهم في البيت ويحاول إسعاد ابنته التي تبتهج بصحبته.

الفيلم يصعب حكي تفاصيله؛ لأنه من الأفلام التي يجب أن تشاهدها بنفسك، لتعيش تلك العلاقة والمشاعر المتناقضة والتنازع بين الرغبات المتناقضة، أما أشد المشاهد قسوة فهو الذي نراه في الجزء الأخير من الفيلم بعنوان "الشاطئ"، هو في الحقيقة فلاش باك حيث نرى الأب يصور ابنته وهي تحتضن الشاب المدمن وبصحبتهما طفل صغير صديق للعائلة، وعندما يحاول أن يصورها بمفردها تخبره أنها أُرهقت، أن المرض أنهك جسدها، فلم تعد تحتمل، وتريد أن تنتهي من كل هذا. نظرة الأب هنا في هذا المشهد يستحق عليها جائزة التمثيل الأولى. يجعلنا نبكي معه، إذ نعيش معه المعاناة المعجونة في تفاصيل الوجه. هنا، تطلب منه الابنة أن تصوره هو، يكتم الدموع ويغالبها. ترتفع الفتاة بالكاميرا إلى السموات لتمنحه فرصة لتجفيف دموعه، تأتي الأم فيقبلها. يمسحان دموعهما بحركة سريعة خفيفة، ويبتسمان للكاميرا التي تحملها الابنة.

لأجل جلوريا الحفيدة

بين فيلمي الصباح والمساء شاهدت ثلاثة أفلام؛ أحدها يشارك - أيضًا - في المسابقة الرسمية وهو شريط سينمائي صيني بوليسي من أفلام الجاسوسية، تدور أحداثه بالفترة بين الحربين، العالمية الأولى والثانية، وتحديدا منذ عام ١٩٣٧ عندما احتلت اليابان شنغهاي، ثم بعد المشهد الأول تقفز الأحداث لعام ١٩٤١، ومنذ ذلك الحين تدور باقي الأحداث خلال سبعة أيام فقط.

الفيلم مليء بالعنف، بالقتل والدماء والجواسيس المزدوجين، إنه فيلم ممسرح، فالأحداث كأنها مسرحية بكواليسها داخل فيلم، فيتم استخدام واستغلال ممثلي المسرح ونجومه في أعمال التخابر، رغم كل هذه المشهيات لكن العديد من الحضور خرج من الفيلم بعد البداية بوقتٍ قليلٍ، ومَنْ صمد حتى النهاية كان بينهم عددٌ غيرُ قليلٍ قد سقط في سباتٍ عميقٍ.

في منتصف النهار شاهدت الفيلم الأوكراني "أتلانتايد"، والعنوان يحمل ميتافور للمدينة الغارقة تحت ركام الحرب، إنه عن فترة ما بعد الحرب، والخراب النفسي والاقتصادي والاجتماعي الذي خلفته تلك الحرب، ثم محاولة إعادة بناء أوكرانيا بعد سنوات من الخراب. اللغة السينمائية بالفيلم جيدة لكن يعيبه التطويل في مشاهدَ شرحٍ وتسجيلِ أوصافِ الجثثِ التي يعثرون عليها من مخلفات الحرب.

في الخامسة والنصف مساءً كنت على موعد مع الفيلم التونسي "آراب بلوز" للمخرجة "مانيل لعبيدي"، وهو تجربة سينمائية جيدة وتكمن أهميتها في قدرتها على الجمع بين الصبغة التجارية الجاذبة للجمهور وفي نفس الوقت يناقش العمل عددًا من الأمور تتعلق بالوضع التونسي، سواء فيما يخص الرجال أو النساء بأسلوبٍ ظريفٍ غير مباشرٍ، وخفيفِ الظلِ من خلال فتاة تونسيةٍ يهوديةٍ تعود من باريس وتقرر البقاء في تونس وفتح عيادةٍ نفسيةٍ، وأثناء ذلك تواجهها العقبات المجتمعية والبوليسية في تونس بعد الثورة الخضراء.

اختتمت يومي بمشاهدة فيلمٍ إنساني جميلٍ قادمٍ من فرنسا يحمل عنوان "جلوريا موندي" من إخراج "روبرت جويدجويان"، وأتوقع أن يكون له نصيب من الجوائز، والحقيقة أنه يستحق الأسد الذهبي لقدرته البديعة والبسيطة في المزج بين القضايا الفردية والخلافات العائلية وبين الشأن العام والمعاناة من البطالة والرأسمالية العالمية، وهو أمر يستحق أن نعود إليه تفصيلاً بمقال لاحق.

بقي أن نُشير إلى أن عنوان الفيلم هو ذاته اسم الطفلة الحفيدة جلوريا، التي ضحى الجد من أجلها - وهي لم تكمل عامها الأول - إذ يُقرر أن يدخل السجن بدلاً من والدها لحماية مستقبلها، فهل تُجدي التضحية؟ هل يلعب الجد دور المخلص والمنقذ مجددا؟

إعلان

إعلان