أصحاب الهمم (13).. بين العبقرية والجنون "3"

د طارق عباس

أصحاب الهمم (13).. بين العبقرية والجنون "3"

د. طارق عباس
09:00 م الخميس 26 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بسفر "فينسنت فان جوخ" للعاصمة البلجيكية "بروكسل" يضع الرجل قدميه على أولى محطات حياته في عالم الألوان، بدعم من أخيه "ثيو"، الذي قرر أن يمده بكل ما يحتاج من إمكانيات مادية وفنية، كان "فان جوخ" وقتها لا يزال في سن السابعة والعشرين، وتلك مرحلة عمرية رآها البعض متأخرة للغاية بالنسبة لفنان يرغب في النبوغ والتميز، لكن كراهية "فينسنت" لتجارب فشله السابقة والمتكررة دفعته للانتصار على فكرة الزمن وبذل كل الجُهد في سبيل صياغة عالمه الجديد المُستمَد من عشقه للإبداع والفن، لذلك ومنذ أول لحظة لبلوغه العاصمة البلجيكية، راح يستحضر الرسام القابع في ذاته ويستعيد ذكرياته مع عمال مناجم الفحم ويرسم اللوحات التي كانت تجسد معاناتهم وطبيعة آلامهم وآمالهم، ويُجَوِّد في تلك اللوحات ما استطاع لذلك سبيلا، كان يريد أن يتسق بماضيه ويقترب أكثر وأكثر من عالم الفن والفنانين، وبمجرد أن أحس بأنه على أرضية ثابتة، التحق بإحدى الأكاديميات الفنية في بروكسل لكن أساتذته تشككوا في معرفته بالأبعاد والألوان، خاصة أنه كان لا يزال على أول طريقه في ذلك العالم، وأعماله لا ترقى للمستوى اللائق والمرضي، وقد تسربت تلك المشاعر السلبية لفان جوخ، فما كان منه إلا أن عمل على تجاوزها فترك الأكاديمية وتفرغ لنفسه كي يعلم نفسه بنفسه، ودون كلل أو ملل أخذ يتدرب على محاكاة اللوحات الفنية المتميزة ويصل الليل بالنهار حتى خرجت لوحاته في تميزها ربما تفوق تلك المحكية.

في أشهر قليلة استطاع "فينسنت" إنتاج عدد ضخم من اللوحات رغم أنه لم يكن مرضيا بالنسبة له، فقد كان يشعر أنه في حاجة للمزيد من التدريب والتعلم وإتقان تقنيات الألوان، لذلك سافر إلى "لاها " في "هولندا" ليتتلمذ على يد زوج ابنة عمه "أنتون موف" وكان رساما مشهورا ومحبوبا، والحقيقة أن "أنتون موف" لم يكن واثقا من قدرة "فان جوخ" على التعلم، وقد اعترف بتلك المسألة فيما بعد عندما بلغ "فان جوخ" مستوى مرضيا للأستاذ، لحظتها قال الأخير لـ"فان جوخ": (لم أكن أول الأمر متأكدا من أنك سوف تحقق كل هذا النجاح، خاصة أن ما كنت تخطه لا يرقى لما نجحت في تحقيقه بعد ذلك).

تَعَلَّمَ "فان جوخ" على يد أستاذه الرسم بألوان الزيت وبألوان الماء، واستطاع تحويل الفن من مجرد هواية تعلق بها وأحبها إلى مهنة يمارسها بل ويتكسب منها، كانت أول لوحة أبدعها "فان جوخ" تحت عنوان "آكلو البطاطة"، وقد استوحاها من معايشته للفلاحين البسطاء في الريف الهولندي والذين تعلق بهم وأحس بمعاناتهم وقد سَمى "فان جوخ" اللوحة بهذا الاسم؛ لأنه أظهر فيها الفلاحين بألوان ترابية قريبة من ألوان البطاطة التي يبذلون جهدًا عظيما من أجل زراعتها.

الغريب أنه رغم ما كانت تحمله اللوحة من تنوع وثراء فإنها لم تحظَ بالنجاح الذي تمناه، الأمر الذي دفعه ثانية للتقوقع في ذاته والسقوط فريسة لليأس والإحباط والاكتئاب النفسي، بل والانصراف عن الرسم إلى ارتياد حانات البحارة وإدمان الخمر والسكر والعربدة ومصاحبة الساقطات العاهرات من النساء، وغيرها من أمور اللهو والعبث التي أفسدت العلاقة بين "فان جوخ" وأستاذه "أنتون موف" وافتراقهما بعد ذلك.

نتيجة ضغط المرض ونقص المال، لم يجد "فان جوخ" لنفسه ملاذا يفر إليه سوى أخيه "ثيو"، وكان وقتها مديرًا لمعرض فني كبير في باريس، غادر "فينسنت" هولندا إلى باريس سنة 1886، فكان أخوه في انتظاره وكم كان سعيدا برؤيته، وفتح آفاقًا جديدة قد تعينه على تجاوز العثرات التي كادت تقضي عليه، وتضيع حياته، لقد عاشا معا مدة سنتين، اكتشف خلالهما "فان جوخ" عالم الانطباعيين والذين كانوا يعتمدون في رسوماتهم على الألوان الزاهية المشرقة، واطلع على إبداعاتهم من خلال أكبر المتاحف في باريس "متحف اللوفر"، وكذلك تعرف "فان جوخ" على تقنية جديدة أثرت فيه وتأثر بها كثيرا اسمها "الطبعات اليابانية" والحقيقة أن تلك الأساليب الجديدة المحملة بالتنوع أضفت على لمساته طابعًا مختلفاً تمامًا عما كان يبدعه في السابق، وبذا نجح في أن يحول مسار حياته ويصنع لنفسه اسما معروفًا إلى حد ما كان يوقع به على كل لوحة ينتهي من رسمها "فينسنت".

وللحديث بقيه

إعلان

إعلان