• الحزن في المدينة

    د. أحمد عمر

    الحزن في المدينة

    د. أحمد عمر
    09:00 م الثلاثاء 06 أغسطس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    في أعقاب نكسة عام 1967، زار الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور إحدى الدول الأوروبية، وهناك التقى بأحد الشعراء الغربيين المهتمين بمتابعة الوضع في مصر بعد النكسة، فسأله هذا الشاعر:

    -إذن أنت مصري.. كيف حال مصر؟

    فتحامل صلاح عبد الصبور على نفسه ليُخفي حزنه بعد النكسة التي كسرت روحه، وروح جيله، وقال له:

    -حالها متى يا سيدي؟ حالها الآن أم منذ سبعة آلاف سنة؟ إن هذه اللحظة المريرة هي مجرد دقيقة من أيام تاريخها الأزلي.. دقيقة من الألم العميق، تستأنف بعده ابتسامتها الخالدة.

    وهنا رد عليه الشاعر الغربي صاحب السؤال:

    - نعم.. لا شك أنكم قد تغلبتم على كثير من الصعوبات، ولكن الآن ماذا سوف تفعلون؟

    فأجابه صلاح عبد الصبور، بما يثبت قدرة مصر على تجاوز أحزانها والنهوض من جديد فقال:

    - أتعرف قصة العنقاء- هذا الطائر الخرافي الذي يحترق في النار، كل حقبة من الزمن، ثم لا يلبث أن يعود من جديد، بريشه الزاهي وعنقه الأصيد المائل.

    وعندئذ قال الشاعر الغربي متعجبًا:

    - ما أشد تفاؤلكم!

    فاستطرد عليه صلاح عبد الصبور:

    - لأننا رأينا كثيرًا، وعرفنا كثيرًا؛ حين تموت، وتحيا مائة مرة، في التاريخ تعرف أن الموت عارض، وأن الحياة هي الحق.

    أنت لا تدرك هذا؛ لأنك لا تستطيع أن تنظر في تاريخ بلادك إلى أعمق من مائتي سنة، وبعدها قد ترى القراصنة العراة، أما أنا فلدي فرصة باهرة، إنني أستطيع أن أتجول في تاريخي إلى عشرين ألفًا من جدودي، فأجد أحدهم يهندس الهرم، وأحدهم يفتح الجمجمة، ويداعب ويشفي جراحها بأصابعه الحساسة، ثم يُعيد توضيب الشعر في تواضع حبيب. وثالثهم يُنشد أغانيه الرقيقة وتأملاته العذبة.

    وقد تذكرت هذا الحوار الذي عرض له الشاعر صلاح عبد الصبور في نهاية مقدمته لكتابه "فجر الضمير المصري الحديث"، بعد حادث التفجير الإرهابي الأخير الذي وقع أمام معهد الأورام بوسط القاهرة، وأدى إلى استشهاد 20 شخصًا وإصابة 47 آخرين؛ لأن هذا الحادث قد نتج عنه حالة حزن رهيبة سكنت مدينة القاهرة خاصة وقلوب المصريين عامة، خوفا على البلد أولًا، وتأثرا برؤية صور الأطفال والمرضى الذين خرجوا مفزوعين من معهد الأورام، وهم يفترشون الأرصفة والشوارع المحيطة، ووجوههم مسكونة بالتعب والوجع والحيرة والتساؤلات المرهقة للروح والعقل عن حقيقة ما جرى لهم، وعن مصيرهم، وعن قسوة الحياة عليهم.

    ومن أهم منابع هذا الحزن أيضًا أن العملية الإرهابية قد أصابت وأوجعت أطفالًا ونساءً ورجالًا هم موجعون بالأساس، ومبتلون بالمرض اللعين، وقسوة الحاجة. وأن مَن قام بها هم أبناء مفترضون لنا، ومصريون مثلنا، تم تضليلهم وإفساد عقولهم، وتخريب أرواحهم، ليصبحوا شوكة في قلب مصر، وطابورًا خامسًا يستهدف تبديد أمنها، وتخريب اقتصادها، وإفزاع شعبها.

    ومع ذلك، يجب علينا ألا نستسلم لدواعي هذا الحزن بالكامل، والعمل على تجاوزه بشكل إيجابي مؤسس على وعينا بأن هذه اللحظة الحزينة هي مجرد دقيقة من أيام تاريخنا الأزلي، وأن هذا الوطن أقوى حضاريًا ممَن يستهدفه، وأنه مثل عنقاء النار يحترق ويخرج للحياة والنور من جديد.

    ومؤسس أيضًا على يقيننا بأن "الجهاز المناعي الحضاري" للمصريين، قادر على التعامل مع جراثيم وفيروسات الفكر والوعي والسلوك، التي أصابت بعض المصريين في العقود الأخيرة، ويستطيع محوها والقضاء عليها، وأننا سوف نواصل النهوض وإعادة البناء، لنصنع مستقبلًا يليق بنا، ونحن نردد مع صلاح عبد الصبور: "سنعيش رغم الحزن نقهره، ونضع في الصباح أفراحنا البيضاء، أفراح الذين لهم صباح".

    إعلان

    إعلان

    إعلان