الخليج وتصاعد الحرب التجارية بين الكبار

محمد جمعة

الخليج وتصاعد الحرب التجارية بين الكبار

محمد جمعة
09:00 م الأربعاء 14 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

فصول الحرب التجارية الضارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ما تزال تتوالى بتفصيلات بعضها مثير !!

والأرجح أن هذه الحرب لن تتوقف قريبا حتى ولو لجأ الطرفان إلى هدنة مؤقتة أو تسويات جزئية في بعض ملفات هذه الحرب وساحاتها المختلفة.

خذ مثلا ترقب واشنطن والحذر الذي تبديه تجاه الخطوة الصينية المتوقعة بعد التصريح الذي أدلى به سفيرها لدى أبوظبي، قبل نحو أسبوع، وذكر فيه أن بلاده تدرس أن ترافق قطع من أسطولها البحري سفنها التجارية في المنطقة، مثلما تدرس أيضًا الاقتراح الأمريكي لحراسة السفن في الخليج!!

معروف أن الصين لديها الرغبة في توسيع نطاقها البحري، كما أن لديها مصالح استراتيجية كبرى في إمدادات الطاقة التي تعبر الخليج العربي. ولا شك أن دعوة الولايات المتحدة لدول العالم للانضمام إلى الخطة البحرية التي يطلق عليها اسم "الحراسة" Sentinel، التي ستتضمن حراسة بحرية للنقل البحري التجاري عبر الخليج العربي، تمنح الصين فرصة للقيام بالأمرين.

بمعنى أن ظاهر تصريح السفير الصينى يوحى بأن بلاده أصبحت أحدث دولة تعرب عن اهتمامها بالمشاركة في الخطة الأمنية البحرية الأمريكية المقترحة للخليج العربي. لكن جوهر الأمر ليس على هذا النحو...

فالصين ليست حليفة ولا شريكة للولايات المتحدة... بل تراها واشنطن (ولا سيما قوتها البحرية) هي أقوى خصم محتمل لها في سباق القوى العظمى.

ومن المنظور الصيني، ستمثل المشاركة المحتملة في العملية الأمريكية وسيلة منخفضة التكلفة لتوسيع نطاق عملياتها البحرية الخارجية، وتحقيق اختراقات أولية في منطقة تهيمن عليها بالكامل ترتيبات الأمن الأمريكية، وحماية مصالح اقتصادية حاسمة في منطقة تمر منها نحو 43% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، مما يجعل من الضروري للصين أن تظل الممرات البحرية الحيوية مفتوحة.

وفى السياق ذاته، تستحضر واشنطن دروس المشاركة الصينية في عمليات التأمين البحري ضد القراصنة الصوماليين في خليج عدن، وما أفرزته من نتائج استراتيجية بحسابات واشنطن... من أبرزها، الخبرة الكبيرة التي اكتسبتها البحرية الصينية في تنفيذ مهام بعيدة عن الصين. حيث أرسلت الصين منذ عام 2008 أكثر من 30 قافلة حربية بحرية للمنطقة. ناهيك عن الطريقة التي استخدمت بها بكين عمليات عدن لتبرير تأمين أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي في القرن الإفريقي الاستراتيجي، قائلة إنها في حاجة إليها للحصول على الدعم اللوجستي.

وعليه قد تخشى واشنطن بالمثل من أن بكين قد تستخدم المشاركة في "عملية الحارس" لتبرير توسيع نطاق تواجدها في منطقة الخليج العربي والتي يمكن أن يشمل تأمين حقوق إنشاء قواعد هناك.

إن انعدام الثقة الكبير القائم حاليًا بين الولايات المتحدة والصين، بالنظر إلى حربهما التجارية وتصاعد الخصومات الاستراتيجية بينهما؛ ستدفع واشنطن (على الأرجح) إلى التحفظ على مشاركة الصين في المشروع الأمريكي للتأمين البحري في منطقة الخليج. وفى هذه الحالة لن يكون أمام الصين (إذا استمرت التوترات في منطقة الخليج) سوى إطلاق عملية مرافقة خاصة بها بالتنسيق مع فاعلين خارجيين آخرين وربما مع طهران، خاصة وأن مشروع الترتيبات الأمنية الجماعية الذي اقترحته روسيا مؤخرا بشأن الخليج العربي (وأيدته الصين) لم يتمتع بالزخم الكافي.

إن المصالح الاستراتيجية الاقتصادية المتنامية للصين ورغبتها في تعزيز قدرتها على تأمين هذه المصالح، قد تعنى لبكين أن فوائد الانخراط الأمني في منطقة الشرق الاوسط الملتهب، تفوق المخاطر المتوقعة لهذا الانخراط.

إعلان

إعلان