•   شهوة الخلق في "بياصة الشوام"

    د. ياسر ثابت

    شهوة الخلق في "بياصة الشوام"

    د. ياسر ثابت
    09:00 م الثلاثاء 09 يوليه 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    حين تقرأ "بياصة الشوام" للروائي أحمد الفخراني، تجد نفسك مجددًا أمام تلك العوالم الأسطورية المذهلة التي يتقن الفخراني صنعها، تمامـًا كما يفعل بطل الرواية مع تماثيله المنحوتة برهافة.

    مدخل الرواية الأسطوري هو بوابة إلى العالم الروائي لأحمد الفخراني.

    "كنت في التاسعة عشرة من عمري، صبيـًا في ورشة معلمي إدريس، عندما سألته عن عمر الكون، أجاب: ألف ألف سنة".

    "لم تكن إجابته صحيحة، كل ما في الأمر أنه بدا له رقمـًا ضخمـًا، أقصى ما يستطيع أن يحصيه".

    "أظن أن هناك رقمًا أكبر، عصيًا على الإحصاء، رقمـًا مخيفـًا، له عينا وحش وفم واسع مهيب، يبتلع الأرقام كلها والفزع والموت والشرور والأمراض والحرائق والمجازر والتيه والجنون والانحرافات والشهوات في جسارة رهيبة، هذا الرقم هو الحارس الأخير للسر". ص7

    السارد العليم هنا تتملكه شهوة الخلق. يود أن يكون مثل أستاذه المعلم إدريس، نحات الطين.

    يقول:

    "أنظر إلى أصابعي التي تشتهي مثله أن تخلق، ثم أحني رأسي إلى الأرض في خجلٍ يظنه بلادة". ص 8

    "أشحتُ نظري عنها متأملًا أصابعي الملعونة، وهبت شهوة الخلق كإدريس، وليست عاجزة عنه كما يظن، لكن الناس سيئو الطوية، تخبرهم أنك ستنحت عصفورًا، فيجيبونك أن فكرتهم عن العصفور قد اكتملت ولا حاجة بهم للمزيد، تقول لكن عصفوري شيء آخر. لماذا يغفرون شيئـًا غريبـًا كأصابع جميلة وفاتنة على جسدٍ قبيح، ولا يغفرون لي تماثيلي التي لا تشبه العصافير؟" ص 12

    "تهمس ثريا في أذني: أصابعك فاتنة، شديدة الرقة والنحافة، كأنها خُلِقت لفنان. أقول ساخرًا: لقد حصلتُ عليها بالخطأ. ولا أخبرها أن ما تكتنزه تلك الأصابع من شهوةٍ للخلق، هو لعتني، فالعالم سيئ الطوية، تخبرينه أن لديك عصفورًا، فيجيبك أن فكرته عن العصفور قد اكتملت ولا حاجة به للمزيد، تقولين لكن عصفوري شيء آخر، بل إنه ليس عصفورًا أصلًا، إنه شديد القبح والأصالة، لا مثيل له، لماذا يغفرون شيئـًا غريبـًا كأصابع جميلة وفاتنة على جسدٍ قبيح، ولا يغفرون لي تماثيلي التي لا تشبه العصافير؟

    أقلتُ هذا من قبل؟

    لا.. أنت قلت.. لكن هذه مرتي الخالصة". ص 24

    تتعدد خيوط الرواية الصادرة عن دار العين، لكني أتوقف هنا عن علاقة البطل بأمه غائبة العقل، وفي ذلك جوانب تحتاج إلى تحليل نفسي بقدر ما تتطلب قراءة نقدية.

    يقول:

    "كانت أمي مزروعة في ركن النافذة كأصيص، للنافذة الواطئة إطار مطلي بزرقة شاحبة وكئيبة، شقوقه مساكن للنمل، وفي ركنه القصي هذيان عنكبوت. عيناها نافذتان إطارهما الكحل الرخيص، تعبر فيهما أشباح الشارع ولا تُفلِتان ما بين السماء والأرض. تراقبان كل شيء كأنهما لا تريان شيئـًا، لو انهد العالم ما رف لها رمش".

    "كل يوم يتكرر المشهد نفسه، تفرد ذراعها في الهواء، ثم تلتقط شيئـًا لا وجود له، تكور عليه اليد بلطف أولًا، ثم تقبض عليه بشدة، كأنها انتزعت شيئـًا ثمينـًا من العالم، تتشممها كمشتهٍ كريم النفس. تقربها من فمها ببطء، تنكشف شفتاها المريعتان من أثر الدخان عن فجوة فارغة من الأسنان، ثم تمضغ الهواء، قضمة واحدة بتلذذ بالغ، لا تلتفت للتعليقات الساخرة التي تنتظر المشهد كل يوم، لتطالبها بجزء من عطية السماء، تُطيّر ما تبقى من شيئها الثمين بامتنان، ثم تضحك على رفرفة أجنحةٍ لا وجود لها".

    "الغمزات والضحكات سياط لا ترحمني، تشق ظهري لا ظهرها، لم أقبل يومـًا نعتها بالمجنونة، رغم أن ذلك حقيقة الأمر. تشاجرت من أجلها مراتٍ عدة، لكني يئست، في كل مرة أُهزم فتضحك، أُجرح فلا يحركها الفزع، أدخل المنزل غاضبـًا، فلا تتغير كماءٍ آسن، فأُغلِق عليَّ غرفتي وأبكي". ص 10

    في موضع آخر، نطالع:

    "مرات كانت تُدوّن كل شيء في كراسات، لا تفلت شيئـًا، لا نميم النسوة ولا دبيب النمل، لا ضجيج المقهى ولا أثر الأقدام، لا لعب الصبية ولا تلصص القطط، كانت تستمع إلى طرق الحديد في الورش، مناشير الخشب، كمن يستمع إلى أم كلثوم، وتبتهج بشرار اللحام كطفل يراقب ألعابـًا نارية، تصعد إلى السطح، تمزق الكراسات ورقة ورقة، ثم تطيّرها، وتحزن لأن الأوراق تسقط إلى الأرض بينما كانت تحاول جاهدة دفعها إلى السماء، ثم تهبط كسيرة الفؤاد، ولا تمل من المحاولة". ص 11

    "وجهتُ همتي وغضبي نحو النافذة، عازمـًا أن أنهي الأمر، كانت تؤدي فقرتها اليومية، تفردُ ذراعها في الهواء، لتستقبلَ رزقها الخرافي. أمسكتُ يدها، وعنوة فتحتُ قبضتها المكورة على الفراغ، صرختُ فيها: لا شيء.. لا شيء في يدكِ، أتفهمين؟ نظرتْ إليَّ ببراءة وارتباك، كأنها تخبرني: أعلم". ص 12

    تتطور الأحداث وتتسارع، لتقع الفاجعة.

    "كبّلني الكبر ورماد الغضب، ثم سمعتُ صراخ النسوة، ورأيتُ نور حريق على السطح، جسد أمي. تسمرتُ مكاني من المفاجأة. كان جسدها المشتعل يترنح، ليسقط من فوق السور، أكانت تظن أنها ستدفع نفسها إلى السماء لا إلى الأرض؟ لم تسقط أمامي مباشرة، لكني لا أستطيعُ تذكر هذا المشهد إلا وجثتها تحت قدمي، وعيناها مثبتتان عليَّ في غفران مقيت".

    "كانت نظرات أهل الشارع حُكمـًا بالإدانة لا يقبل الاستئناف: (لقد قتلتها). إلا ثريا، التي خرجت فزعة بقميص النوم. احتضنتني دون خجل من فرجة الشارع، قائلةً يا ضنايا يا بني". ص 13

    أحمد الفخراني يرسّخ قدميه أكثر في أرض الرواية، ويعمّق مشروعه الروائي الذي يدرك كل من قرأ أعماله السابقة وعمله الروائي الحالي أن له بناءه الجليّ المحكم، الذي يستحق إشادة خاصة؛ لما يملكه من تفرد يجعله نسيجًا وحده.

    إعلان

    إعلان

    إعلان