الموسيقى والبهجة والأرقام في كارلوفي فاري

د. أمل الجمل

الموسيقى والبهجة والأرقام في كارلوفي فاري

د. أمل الجمل
09:01 م الجمعة 05 يوليه 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

الغابات المرتفعة الشاهقة التي تعانق أطراف السماء بخضرتها الكثيفة، العمارات المنحوتة بجماليات خاصة، والمطرزة بلمسات فنية تأخذ العين فلا تمل من النظر إليها أبداً، حتى إنه قيل أن هتلر نفسه -ذاك الديكتاتور العظيم- أثناء الحرب أعطى الأوامر الصارمة لجنوده بألا يلمسوا أو يضربوا العمارة في التشيك بسبب جمالها الآخاذ، والقيمة الفنية الكبيرة لها.

المشهد مريح نفسياً، بكافة تفاصيله البهية التي تحتضن العيون فتجعلنا نحتمل تبدلات الطقس المفاجئة بين درجة الحرارة المرتفعة الخانقة أحياناً، وبين البرودة اللاسعة بشكل مفاجئ. لدرجة أن تيك ميلانتس مخرج الفيلم البلجيكي "باتريك" -أحد الأفلام المهمة التي تنافس بقوة على الكرة الكريستال- داعب الجمهور قبيل عرض فيلمه قائلاً: "أشكركم جداً لأنكم جئتم في هذا الطقس شديد الحرارة. كان من المفترض عوضاً عن ذلك أن نُلقي بأنفسنا في البحر في مثل هذا الجو، لكننا لن نستطيع فعل ذلك إلا بعد مشاهدة الفيلم".

رغم ما سبق، يمكن وصف المكان هنا في كارلوفي فاري بالبديع، وبأن البهجة تُلقي بأطراف ثوبها الهفاف على الضيوف والزوار. في الطرقات لا بد أن تأتيك أصوات الموسيقى من أحد الأركان. إن لم يكن من إحدى قاعات العرض، سيكون بإحدى قاعات الاحتفالات، أو الاجتماعات، أو الكافيهات بفندق تيرمال، أو بأحد التجمعات الشبابية -أو غير الشبابية- بمحيط الفندق الذي تُقام به فعاليات مهرجان كارلوفي فاري الرابع والخمسين الذي بدأ منذ ٢٨ يونيو ويختتم تلك الدورة غداً السبت ٦ يوليو الجاري.

الموسيقى جزء أساسي من المهرجان التشيكي العريق. منذ الافتتاح تُمنح الموسيقى حصة كبيرة مميزة، وتكون متاحة للجمهور العام، هذا العام أقيمت حفلات موسيقية قدمت عروضًا خالدة للبيتلز. فقامت الأوركسترا التشيكية الوطنية السيمفونية - بقيادة كارل ديفيس - بتأدية أغنيات الفرقة الأسطورية، مثل "She Loves You"، و "Yesterday"، وغيرها العديد من الأغنيات.

الظريف أن تلك الحفلات الموسيقية تُقام بأماكن تاريخية عريقة جميلة مثل "قيصر ٥٤"، بكل ما يحمله المكان من أجواء فريدة من نوعها، فهناك إضاءة تم تركيبها بطول ٢١ مترًا. إضافة إلى ذلك يُتاح للزائرين فرصة مشاهدة المحتويات بداخل قصر Emperor Spa التاريخي، والذي سيغلق أبوابه بعد المهرجان لفترة طويلة من التجديد.

سيدة البوب الأمريكية الأفريقية

هذا إلي جانب الأفلام الموسيقية المعروضة بين برمجة المهرجان ومنها فيلمان شديدا الجمال هما Yesterday - amazing grace. والأخير فيلم موسيقي وثائقي، ساحر، يُسجل عرضا غنائيا للفنانة الأمريكية من أصول أفريقية -الحائزة على جائزة جرامي- أريثا فرانكلين مع فرقتها بالكنيسة، في لوس أنجلوس يناير عام ١٩٧٢. إنها أول امرأة تغنى في قاعة مشاهير الروك آند رول.

كانت فرانكلين معجزة غنائية، فقد تمكنت من إصدار أول أغنية فردية لها في سن الثامنة عشر، حيث وصلت إلى المرتبة العاشرة على قوائم BillBoard ، وتم إصدار ألبومها الأول يناير عام ١٩٦١.

أما الفيلم المعروض في مهرجان كارلوفي فاري الرابع والخمسين ضمن قسم "آفاق" - حيث شهد الفيلم عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي - فيُظهر كيف كانت موسيقى البوب الأمريكية الأفريقية لا تزال تحتفظ بجذورها الروحية مطعمة بالروح والفن الأمريكي من دون أن تفقد شيئاً من أصالتها.

أما الفيلم الثاني فلم يقل روعة عن سابقه، إنه روائي موسيقي كوميدي رومانسي بعنوان "أمس" ويدور حول موسيقي شاب متعثر يُدرك أنه الشخص الوحيد على وجه الأرض الذي يمكنه تذكر فرقة البيتلز الشهيرة بعد استيقاظه في فترة زمنية بديلة حيث لم تكن فرقة البيتلز لها وجود أبدًا.

انتهى الفيلم وهبطت التترات فارتفعت الأكف بالتصفيق عالياً، ثم ساد الصمت التام. ما يزيد على خمس دقائق أنتظر أن يتحرك الناس من أماكنهم لكن السكون الكامل هبط بجناحيه على القاعة الكبيرة بفندق تيرمال. عيون الجمهور تحملق في التترات بما عليها من أسماء أغنيات البيتلز وأصحابها. عندما انتهى التتر أُظلمت الشاشة وأضيئت القاعة فارتفعت الأكف مجددا بالتصفيق الحماسي طويلاً. في الطريق للخروج كنا نحمل معنا بهجة كبيرة من أغنيات وأحداث "أمس".

إلى جانب ما سبق، أقيمت سبع حفلات موسيقية على مدار أيام المهرجان قدمتها الفرق التشيكية والسلوفاكية الرائدة. وشارك نادي "بيج بوس" للعام الثاني على التوالي في تنظيم تلك الاحتفالات وعن ذلك يقول مدير البرمجة بالنادي: "بعد يوم مليء بالأفلام ذات المستوى العالمي، نريد أن يُتاح لزوار المهرجان فرصة اللقاء في بيئة غير تقليدية للأندية، والاستمتاع بالحفلات الموسيقية بأفضل ما يمكن أن يقدمه المشهد الموسيقي المحلي. لقد قررنا هذا العام إضافة سلسلة من الأحداث المتتالية في أجواء أكثر حميمية للاستمتاع بالموسيقى الرائعة".

هنا، لا يفوتنا أن نذكر بعض الأرقام ذات الدلالة حول المهرجان التشيكي العريق؛ ومنها: أن ٣٠٠ مخرجة ومخرج سينمائي ونجوم ونجمات من السينما العالمية يعرضون أحدث أفلامهم، بين ١٥٠ فيلما إلى ٢٠٠ فيلم -بين روائي وتسجيلي ورسوم متحركة- يتم اختياره ليشاهده الجمهور كل عام موزعة بين ١٤ صالة عرض سينمائية. أن ٧٠ فيلماً تُعرض لأول مرة سواء كان عرضاً عالمياً أم عرضاً أوروبياً. أن المهرجان يحضره نحو ٨٠٠ من الموزعين ووكلاء المبيعات والمنتجين ومبرمجي المهرجانات، ٧٠٠ صحفي معظمهم من أوروبا الشرقية. في حين يُشاهد أفلامه ١١٠٠٠ مشاهد من الجمهور. وتباع ١٢٠ ألف تذكرة سينما أثناء فعالياته.

إعلان

إعلان

إعلان