• تغريبة الجنوبي التائه

    د. أحمد عمر

    تغريبة الجنوبي التائه

    د. أحمد عمر
    09:01 م الأحد 16 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    المكان: مدينة قنا في صعيد مصر.

    الزمان: نهاية عام 1959.

    الحدث: لقاء تعارف يتم، لأول مرة، بين ثلاثة شباب لم يتجاوز عمر أكبرهم العشرين عاما، لكن السنوات المقبلة سوف تجعل لهم دورًا عظيمًا في صياغة الوجدان المصري والعربي، والتعبير عنه بأصدق ما يكون التعبير.

    وهؤلاء الشباب الثلاثة هم: أمل دنقل، ويحيى الطاهر عبدالله، وعبدالرحمن الأبنودي.

    ثلاثةٌ موهوبون حالمون، سُمر الوجه، نِحاف الجسد، طِوال القامة، وأرواحهم مثقلة بالشجن مثل نخيل الصعيد الحزين، ونفوسهم قلقة تبحث عن أفق للروح والعقل وفضاء للتحقق وعيش الحياة.

    والثلاثة إرادتهم صخرية لا تثنى أو تنكسر، وأحلامهم كبيرة وشبه مستحيلة، ولكنهم ساروا خلفها بجسارة كبيرة. وقد عبر عن تلك الأحلام لاحقًا أمل دنقل فقال: "فالجنوبي يا سيدي/ يشتهي أن يكون الذي لم يكنه/ أن يلاقي اثنين؛ الحقيقة والأوجه الغائبة".

    وبعد أن توثقت العلاقة بينهم، قرر الشبان الثلاثة الهجرة إلى الشمال، بعد أن ندهتهم نداهة القاهرة؛ فسافر عبدالرحمن الأبنودي عام 1962 إليها. ورحل بعده أمل دنقل في العام نفسه إلى الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة. وفي عام 1964 لحق بهما يحيى الطاهر عبدالله.

    ولكنهم وجدوا القاهرة مدينة قاسية بلا قلب، تأكل أرواح قاطنيها، وهم قلوبهم خضراء، وأرواحهم جنوبية صافية، ولذا فقد عاشوا فيها تغريبة الجنوبي التائه الباحث عن أرض أحلامه، عُزّلًا من كل شيء سوى موهبتهم الأصيلة، وأحلامهم الكبيرة، وذاكرتهم الصخرية، وإرادة وصلابة الصعيدي الذي لا يعرف انحناء الجسد أو انكسار الروح؛ ولهذا صارت القاهرة ساحة معركتهم الكبرى لتحقيق ذواتهم وإثبات وجودهم، ونجحوا بعد كفاح طويل في تكريس أسمائهم وحضورهم في المشهد الشعري والأدبي والثقافي المصري.

    كما نجح كل واحد منهم في صنع أسطورة نجاحه الخاصة.

    لكن الرياح لم تأتِ لهم بما تشتهي سفنهم بالكامل؛ فبعد طول كفاح، وحين حان قطف ثمار الرحلة المُضنية، يرحل فجأة شاعر القصة القصيرة يحيى الطاهر عبدالله في التاسع من إبريل عام 1981، إثر حادث سيارة على طريق الواحات، وهو في سن الثالثة والأربعين.

    وفي التوقيت نفسه، يُصاب الشاعر الجنوبي (أمل دنقل) بمرض السرطان، ويعاني من أوجاعه لمدة ثلاث سنوات، ليرحل عن عالمنا في مايو 1983.

    أما الخال الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، فقد كان القدر رحيمًا به قليلًا، حيث امتد به الأجل لسنوات بعد رحيل رفيقي دربه، ليصبح عن جدارة تامة شاعر الوطن والناس، والحارس الأمين على التراث الشعبي المصري، والمُعبر الأصيل عن الوجدان المصري، ويحظى بتكريم الدولة ومحبة الناس، ليصاب بعد ذلك بمرض في صدره، ويتوفاه الله يوم 23 إبريل 2015.

    تلك هي تغريبة الجنوبي التائه، كما تجسدت في حياة هؤلاء الجنوبيين الكبار الثلاثة الذين صنعوا بحياتهم ومنجزهم الإبداعي أسطورة نجاح صارت غواية لأغلب الموهوبين وأصحاب الطموح الأدبي والثقافي من أهل الجنوب. وهي غواية الرحيل نحو الشمال، والبعد عن بيئتهم الفقيرة ماديًا وثقافيا، والبحث عن فضاء عقلي وثقافي أكثر رحابة، لتحقيق المجد الأدبي والفني والفكري الذي يحلمون به.

    وبتأثير من أسطورة الغواية تلك، لا تزال تغريبة الجنوبي التائه قائمة إلى اليوم، ربما تتغير فيها الأسماء والوجوه، ولكن القاسم المشترك بين أصحابها هو حلم الرحيل للشمال، والوصول إلى أرض ميعادهم وأحلامهم، رغم أن أغلبهم صاروا يموتون دونها، ويقضون العمر في الذود عن قيثارتهم، دون أن يعزفوا ألحانهم، بعد أن أصبحت الحياة في بلادنا أكثر مادية وقسوة وهدرًا لإنسانية وموهبة الإنسان.

    إعلان

    إعلان

    إعلان