• "السايكلوب".. روائي يعيد أبطاله الموتى إلى الحياة

    د. عمار علي حسن

    "السايكلوب".. روائي يعيد أبطاله الموتى إلى الحياة

    د. عمار علي حسن
    09:00 م الأربعاء 12 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا يكف الأديب الكبير إبراهيم عبد المجيد عن الهرولة وراء غير المألوف، وخلف ما يستحق التجريب بلا حدود، وما يمنحه فرصة كي يدع سجيته الروائية المتدفقة تخط على الورق ما شاء لها، تاركا إياها تأخذه إلى أي مكان وأي زمان أرادته هي، وليس هو معها ولها سوى قلم مطيع، لا يملك حتى حق مراجعة ما جادت به السجية والقريحة والمشاعر للوهلة الأولى، لأنه يؤمن بأن من شأن هذا أن يفسد هذه الفطرة العفية، ويضع سدودا أمام هذا الخيال الجامح، فيغيب الذهن لصالح الوجدان، ويشتعل الانفعال بما يحمله، فلا يكون أمام الكاتب سوى أن يفرغ تلك الحمولة في أسرع وقت ممكن، حتى لا تنفجر به أو فيه.

    يتحدث عبد المجيد كثيرا في روايته الأخيرة "السايكلوب" الصادرة عن "مسكلياني للنشر والتوزيع" التونسية، عن متعة بطله "سامح عبد الخالق" بالكتابة، إلى درجة أنه يؤكد أنها تفوق أي متعة يمكن أن يحظى بها حاكم في عرشه وبين جنده وبطانته وفي عز نفوذه وسطوته، لكنه في الحقيقة يبين لنا أكثر حجم المعاناة التي تثقل كاهل ونفس ومشاعر هذا الكاتب، حتى لو كان قادرًا على أن يعيد من مات من شخصيات رواياته وقصصه إلى الحياة، وهي قدرة لا يمكن أن يؤتاها حاكم، مهما توهم أنه إله، وأن كل شيء طوع بنانه، وملك يمينه. وهذه المعاناة تتمثل في ألم المخاض المرتبط بولادة شخصيات مكتملة من عدم، أو حتى ناقصة نابتة من الواقع تحتاج إلى "حَضَّانة إبداعية" يكتمل فيها نموها على عين الكاتب وبيده.

    لا نحتاج إلى بذل أدنى مجهود يُذكر حتى نعرف أن بطل الرواية الكاتب "سامح عبد الخالق" هو "إبراهيم عبد المجيد"، من دون تحايل ولا مواربة، فكل المعلومات التي تخصه هي معروفة في ببلوجرافيا الكاتب الأصلي، سواء ما يتعلق بمساره المهني أو عناوين رواياته وبعض شخصياتها أو طريقة تفكيره في الحياة وفي الفن، التي سبق أن بين بعض تفاصيلها في كتابه المهم "ما وراء الكتابة"، لكن العلامة الأوضح تظهر في تلك العبارة التي أوردها في النص الحالي: "هو في الأصل متحصل على دبلوم صنايع، وقد اشتغل في الترسانة البحرية، ودرس ودخل الجامعة، ثم صار أديبا"، وهذا هو كاتبنا الذي ألف، حتى الآن، تسع عشرة رواية وسبع مجموعات قصصية وعشرة كتب متنوعة.

    على مقاهي القاهرة وفي منتدياتها طالما تحدث عبد المجيد، غير مرة، ومنذ سنوات، عن رغبته في أن يقابل شخصيات رواياته، سواء أولئك الذين التقطهم في الواقع كما هم، ودون أي رتوش، وكانوا بأنفسهم وتجربتهم قادرين على أن يمنحوه شخصيات فنية لا تحتاج إلى إضافة، أو هؤلاء الواقعيين الذين أضاف إليهم من مخيلته، كي تكتمل ملامحهم كيفما شاء، أو حتى الذين اخترعهم تماما، أو صنعهم من عدم، وهو بارع في الحالتين.

    في "السايكلوب" وهو كائن خرافي متوحش ذو عين واحدة، ينقل كاتبها المبدع هذه الأمنية من مجرد الثرثرة، والرغبة الغريبة، والتفكير بالتمني، إلى عالم الفن، فيصيغ بها ومنها ولها رواية كاملة في نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، يمتزج فيها الواقع بالخيال دون حدود أو فواصل، فالكاتب لديه دوما هذه القدرة التي تأخذ القارئ من واقعه الفج الغارق في البؤس إلى خيال مجنح، لا يفصل بين هذا وذاك سوى سطور قليلة، تنساب في نعومة، متعدية الأزمنة والأمكنة والحالات، وتحتاج إلى يقظة من القارئ حتى يقف على الفواصل بين عالمين لا يتجاوران ويتشابكان فحسب، بل يمتزجان أيضا، بلا غلظة أو خشونة.

    لا يتخلى عبد المجيد في روايته الجديدة عن ثلاثة أشياء اتسمت بها أغلب رواياته، أولها هي القدرة على جذب القارئ، الذي ما إن يبدأ في القراءة حتى تطارده الرواية فلا يستطيع منها فكاكا إلى أن تنتهي سطورها أمام عينيه تماما. وثانيها هي مشاكسة الواقع السياسي والاجتماعي الذي يشكل "زمن الرواية" ويتعدى أن يكون مجرد خلفيتها الوقتية ليصبح جزءًا أساسيًا من مضمونها وتفاعلاتها واهتمام أبطالها وحتى شخصياتها الثانوية. وثالثها هو الخيال الجامح الذي لا ينشغل صاحبه بما هو منطقي، وما يخدم مسار السرد، وما يجلي بعض غموض المواقف، بقدر ما ينشغل بإطلاق المخيلات في أفق مفتوح، لا يحده شيء، وفي سرد عفوي عَرِم، لا يلزم نفسه بالمسارات التي يحددها أولئك المعنيون بحبك نصوصهم الروائية، منشغلين بموقف القارئ، الذي لا يريد أبدا أن يتخلى عن اقتناعه بالانتقال بين الأحداث والمواقف، حتى وإن كان مستمتعا بالحكاية وغرابتها.

    في هذه الرواية يطارد إبراهيم عبد المجيد، كالعادة، فكرة جديدة، أو في الحقيقة، شبحا جديدا، هو هذه المرة كاتب لديه قدرة على إصدار أمر إلى الموتى من أبطال رواياته بأن يعودوا إلى الحياة، فتنشق عنهم القبور الصامتة المظلمة، ويرجعوا إلى أيامنا هذه، بهيئاتهم القديمة، ومعرفتهم التي تقادمت، وأفكارهم التي عفا عليها الزمن، فيحاولوا أن يردموا هذه الهوة الزمنية التي امتلأت بالوقائع والأحداث، بأسئلة لا تنتهي، واندهاش لا يتوقف، وشعور دفين بالحزن، لأن كثيرا مما حلموا به في سبعينيات القرن العشرين لم يتحقق، فهؤلاء أرادوا أن يحولوا الاحتجاج والانتفاضة التي استمرت أياما قلائل في 1977 إلى ثورة، والثورة جاءت بالفعل في يناير 2011، وأطاحت بحاكم استمر قابعا ثلاثين عاما على كرسي حكم لا يستحقه أبدا، لكنها في النهاية انهزمت.

    هكذا يصف الراوي ما جرى للثورة، وإن كان هناك من يخفف من وطأة ما جرى ويقول "تعثرت" من منطلق الاعتقاد في أن الثورات الشعبية لا تحقق أهدافها بالضربة القاضية إنما بالنقاط، أي تباعا، وأن فصولها الأول والثاني والثالث، ليست هي نهاية المطاف، إنما هناك فصول أخرى في الطريق.

    لكن الاثنين، كما الكاتب، ليس أمامهم من سبيل سوى الشعور بالخذلان، لأن الأحلام الكبرى التي رسموها في ثمانية عشر يوما من الاحتجاج، حسبما تقول الرواية دوما، سرعان ما تهاوت أمام قوى مضادة للتغيير.

    وكما أن بطل الرواية هو كاتب قادر على بعث الموتى من شخصيات نصوصه، فإن هناك من تمكن أن يبعث كل الطرق والأساليب والأهداف التي ظن الثوار أنها قد رحلت، من رُقادها، ليصل ما انقطع في أيام الثورة التي لا تنسى، مثلما حاول كل ما قام من قبره أن يصل ما انقطع من حياته، بالسؤال والقراءة ومطالعة شبكة الإنترنت، التي لم تكن موجودة بالطبع وقت رحيلهم عن الدنيا.

    والبطل الأول للرواية، الذي استعاده المؤلف من الموت، صابر سعيد، هو من يأخذ بزمام الأمر، ويلعب دور الراوي، ليكشف لنا قدرة هذا المؤلف على التلاعب بأبطاله كيفما شاء، فهو باستطاعته أن يحولهم إلى أشباح، وقد يزيل عنهم هذه القدرة الخارقة في لحظة، فيراهم الناس، كما كانوا في زمانهم، من لحم ودم، وإن تشككوا فيما يقولونه، حين يؤكدون لهم أنهم كانوا صغارا قبل نصف قرن على الأقل،

    ويراهم كل من يسمعهم على أنهم لا يزالون في ريعان الشباب، ما يخلق عدم ثقة فيهم، إلا من ينتفع منهم، سواء كن نساءً يستمتعن بهم في غرف النوم اللينة، أو أشخاص لديهم رغبة في معرفة ما ذهب عنهم في الحياة الدنيا، مثل "البهي" وهو شاب فائق الحسن، أماته المؤلف في إحدى رواياته وهو يرفل في شبابه حين كانت الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها، ثم أعاده إلى الحياة بعدها بخمسة وستين عاما على الأقل، ليكتشف أن ما يربو على خمسين امرأة قد عشقنه دون أن يدري، وكلهن طلبن أن يُدفنَّ معه حين يَمُتْن، فلما بعث من موته، بعثن معه عرايا، وسترهن بنور غامر يرسله من وجهه الجميل، فيصير حولهن لباسًا ناصع البياض، ثم يسير بهن في مظاهرة عجيبة بشوارع الإسكندرية في ليل غريب، والناس يتابعون مسيرتهم في عجب، ويصل الأمر إلى الشرطة، فتخشى أن يفتتن الناس به، ولا سيما بعد أن أشيع أنها مظاهرة لأتباع جماعة الإخوان، فتهدم قبره، بعد أن يكون قد عاد إليه مصطحبا كل عشيقاته من النساء، لكنهم لا يجدون الجثث تحت التراب.

    عاش البهي عفيفًا، ومات هكذا، وحين بعثه الكاتب "سامح عبد الخالق" لم يخرج عن هذا الدرب، بينما كان لبطله الآخر "صابر سعيد" رغبة جامحة في مضاجعة النساء، اللاتي يشكلن بطلات أخريات، أو حتى اللاتي منهن يعشن في زمننا، وهو في هذا لم يجافِ حقيقته حين كان يحيا بين الناس في السبعينيات.

    لكن الكاتب تمكن- بعيدا عن رغبة الراوي، وحتى المؤلف- من أن يحقق ما أراده هو في أن يرسم ملامح الزمن الذي تمضي فيه الرواية، وهو تلك الفترة المتراوحة بين منتصف عام 2017 ومنتصف عام 2018، من خلال الإتيان على ذكر الكثير من الوقائع السياسية، والجرائم الجنائية، والأحداث الإرهابية، التي وقعت خلال هذه السنوات العجاف، وهو أمر جعل الرواية تهبط من الخيال الجامح، الذي بلغ ذروته في إحياء الموتى، إلى الواقع الفج، المتمثل في تداعيات تعثر ثورة يناير 2011. لكن الواقع هنا لم يكن سوى جزء من الإجابة عن أسئلة الأشخاص المتخيلين الذين كانوا طيلة الوقت مندهشين مما جرى، تأكلهم الحيرة في الإجابة عن سؤال مهم هو: ظل جيلنا في السبعينيات يحلم بالثورة كخلاص، فلماذا حين وقعت لم تكن هكذا؟

    وكما انتهت الثورة بفجيعة، فإن نهاية بطل الرواية، الذي استمتع بالعودة من الموت بمضاجعة نسوة جميلات والشروع في كتابة حياته في رواية- لم يلبث أن واجه واقعًا صادمًا، حين صارحه المؤلف:

    "لا بد من الكف عن استعادة الشخصيات من رواياتي، الحقيقية الأصل والخيالية. من الضروري أن نفترق. لا قبل لي بالخيال، ولن أعذبك بالواقع. عليك أن تنهي روايتك اليوم. أجل. اليوم قبل أن يموت أحدنا".

    هنا لا يريد الكاتب أن ينهي فرحة أبطاله إلا بحزن، ولا تصل أحلامهم العريضة إلا إلى كوابيس مزعجة، فالحياة التي منحها لهم الكاتب، من حبيباته وأهم الأشخاص الذين مروا بحياته، لم يلبثوا أن وصلوا إلى النهاية، بعد أن يعجز هو عن إبقائهم أحياء، فتصل هذه المغامرة إلى نهايتها بالتزامن مع إدراك الجيل الذي رحل في السبعينيات، وهو يحلم بثورة تؤدي إلى تغيير جذري للأوضاع، فيكتشف من يعودون منهم، بأمر المؤلف، إلى الحياة، أن الثورة نفسها ليست غاية، إنما العبرة بنتائجها، وأنها حين قامت، وكانت عظيمة مبهرة، لم تحقق ما يصبون إليه، لأن القوى المضادة لها كانت أقوى مما يتصور الثوار، حتى إن بوسعها أن تقيد القوة الخارقة للشبح وهو "صابر سعيد" في لحظة ما، لتعتقله وتعذبه، فيكتشف وقتها أن النظام أقوى من أن يهزمه الحالمون، لأنه ضارب في جذور كل شيء، فيخرج من قسم الشرطة وعلى جسده آثار التعذيب، وهو يظن أن المؤلف قد تخلى عنه، وتركه ينكشف لينتقم منه، لكن الأخير يعترف له بأن قوته الخارقة ليس بوسعها أن تتجاوز قوة الدولة الباطشة، وهو الأمر الذي تمكن من اختباره بنفسه، حين أراد "صابر سعيد" أن يتمرد على النهاية التي حددها له المؤلف "سامح عبد الخالق" بعد أن راقت له الحياة، ولا سيما بعد أن قابل "سعدية" الجميلة، و"زين" القوي، لكن رغبته في الاستمرار على قيد الحياة لم تمنحه القدرة التي تواجه إرادة الكاتب الذي أخبره بأن آخر يوم له على قيد الحياة هو اليوم الأول في شهر رمضان، أو بمعنى أدق لا إرادة الكاتب، الذي لم يعد قادرا على بعث أبطاله الموتى ليعودوا إلى الحياة.

    فصابر سعيد الذي راقت له الحياة، رغم معاناته، وأراد البقاء فيها حتى ينتهي من كتابة روايته هو التي شجعه عليها المؤلف "سامح عبد الخالق" لا يلبث أن يكتشف أن رغبته في البقاء لا يمكنها أن تتحول إلى قدرة، فهو الذي تعلم كيف يتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، التي لم تكن موجودة في الزمن الذي مات فيه، حين كتب على صفحته الخاصة على فيسبوك، التي جعل اسم صاحبها قردا، وعرفه المتداولون بهذا، وتفاعلوا معه على هذا الأساس، كي يثبت أنه ابن الزمن الذي بعث فيه، وأنه يريد أن يبقى فيه، فضاع منه كل شيء، ما يبينه قوله:

    "اللاب توب قد اختفى من أمامي، نظرت حولي، فوجدت كل شيء يختفي، تباعدت الجدران وارتفع السقف، وصرت وحدي في فضاء خالٍ لا أعرفه مرتديا ثيابي التي ظهرت بها أول مرة، وحيدا ليس حولي موتى ولا أحياء، فأدركت أنها النهاية".

    لكن إبراهيم عبد المجيد القادر على الإدهاش دوما لم يكتفِ بما فعله في مؤلفه الساعي إلى استعادة من مات من شخصيات رواياته، كي يمدهم ببعض أسباب البقاء على قيد الحياة، بل أنهى روايته بشيء آخر مدهش، لا يمكن أن يتوقعه قارئ الرواية، يتعلق بمكر المؤلف وحيلته، التي تبين أنه لم يستعد "صابر سعيد" شفقة أو مسعى لوجه الله أو الحياة، إنما ليجعله يكتب رواية، ما إن تكتمل حتى يكون بوسع "سامح عبد الخالق" أن ينهي حياته، ليستولي هو على النص الذي كتبه، لكن "صابر سعيد" الماكر، يعطي النص لكاتب آخر.

    لقد أراد إبراهيم عبد المجيد، الذي لم يكتب إلا ما يتفاعل معه، ويؤمن به أن يبرهن بهذه النهاية، ليس على الكثير من السُرَّاق الذين زاحموا الروائيين الحقيقيين في عالم الإبداع الروائي في العالم العربي الآن، بل أيضا على أن التجربة الفنية يمكن أن تؤتى لأي أحد من العالمين، وهو واقع لا مراء فيه، والفرق بين شخص وآخر، هو القدرة على صياغة هذا في عمل فني مكتمل.

    هكذا يتعامل الكاتب دوما مع الكثير من شخصياته؛ فهو لا ينظر إليهم باعتبارهم مفعولا به، يحركهم كيفما شاء، كي يساعدوه على ملء الصفحات، والحصول على مزيد من العناوين كي تتوالى أعماله، إنما هم شخصيات حقيقية، من لحم ودم، سواء كانوا واقعيين أو من الواقع وتمت الإضافة إليه، أو من صنع الخيال البحت الجامح.

    وتلك هي إحدى سمات إبداع كاتب هذا النص، الذي لا أعتقد أنه سيتوقف إلا برحيله هو عن الحياة، بعد أن ثبت لدينا أنه حتى "سامح عبد الخالق" الذي يتلاعب بمصائر شخصيات أعماله السردية ليس سوى ألعوبة في يد الكاهن الأكبر واسمه "إبراهيم عبد المجيد".

    إعلان

    إعلان

    إعلان