• سراب الحل الصوفي

    د. أحمد عمر

    سراب الحل الصوفي

    د. أحمد عمر
    09:01 م الأحد 26 مايو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    عندما أسلم الفيلسوف الفرنسي، روجيه جارودي، وذاعت شهرته في العالم الإسلامي في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ارتفع معه حضور ميراث التجربة الصوفية في الإسلام، التي احتفى بها روجيه جارودي بشكل خاص، ووجد فيها جوهر الدين الإسلامي، وأسلوبا نظريًا وعمليًا يمكن أن يخطو بالإنسانية نحو تحقيق طموحاتها الكبرى في إقامة نظام حياة جديدة وسعيدة، يُؤسس على البعد الروحي والمتسامي للوجود الإنساني، وعلى الدين كإيمان جوهري، وليس كنصوص حرفية وطقوس محددة.

    وقد دفع هذا الاهتمام المتصاعد بالتصوف الإسلامي وقيم التسامح وقبول الآخر، التي يتميز بها بعض المهتمين بالشأن الإسلامي في الداخل والخارج والمشتغلين بمركز البحث ورجال السياسة والأمن والاستخبارات- للنظر للتصوف كبديل مطروح في المجتمعات الإسلامية لجماعات الإسلام السياسي التي راعتها بعض الأنظمة العربية والمخابرات الأجنبية، لخدمة أهداف سياسية معينة، ثم خرجوا عن الطوق المرسوم لهم، واصطدموا مع هذه الأنظمة ومصالح الدول الكبرى في المنطقة.

    وكان دافعهم إلى فكرة وفرضية التوظيف السياسي للتصوف الإسلامي هو يقينهم بأن المجتمعات العربية مجتمعات متدينة، والدين فيها ركيزة أساسية لا يمكن تجاهلها أو الاستغناء عنها، ومن الممكن تسويق التصوف لهم لإشباع حاجاتهم الروحية، وإبعادهم في الوقت ذاته عن جماعات الإسلام السياسي، وكل التيارات الدينية المتشددة.

    وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تحولت تلك الفرضية عندهم إلى خيار تبنته مراكز البحث أمريكية وغربية كثيرة، ووضعتها موضع التنفيذ، ولهذا كثرت المؤتمرات والدراسات والأفلام الوثائقية التي تهتم بالتجربة الصوفية في الإسلام، وتُسوق للتصوف وانفتاحه على الآخر، وقدرته على تجاوز التناقضات بين البشر والأديان.

    وقد كان هذا بالطبع اختلاقًا لأسطورة جديدة ووهمًا جديدًا، تحت شعار "التصوف هو الحل"، ليوجه شعار الأسطورة التقليدية لجماعات الإسلام السياسي، وهو "الإسلام هو الحل". وهو اختلاق لأسطورة جديدة لن تؤدي إلى شيء، لأن التصوف حالة شعورية وليس مهنة، وهو رؤية للكون والحياة والإنسان، وتجربة روحية ذاتية تؤثر في سلوك الإنسان وحياته، ولكن يصعب تعميمها ونقلها بموضوعية للآخرين، وجعلها ركيزة للنهضة والتقدم، وصنع الحضارة.

    وهذا المعنى أكد عليه المفكر السوري محمد ياسر شرف في كتابه "جارودي وسراب الحل الصوفي" الذي صدر عام 1982، وحاول فيه تفنيد أبعاد الحل الصوفي لمشاكل العالم الإسلامي خاصة، والعالم الإنساني عامة، الذي دعا إليه روجيه جارودي، وتبنته من بعده جهات كثيرة في داخل وخارج العالم الإسلامي.

    وقد تأسست وجهة نظره في رفض هذا الحل "الذي يحسبه الظمآن ماءً، فإذا اقترب منه أصبح أثرًا بعد عين" على عدم قابلية التصوف للتعميم بسبب بنيته التكوينية، وصلاحيته فقط كحل فعال في حياة الإنسان الروحية والشخصية.

    وهو اختلاق لأسطورة جديدة؛ لأن التصوف اليوم ابتعد كثيرًا عن صورته الفكرية والعملية الراقية التي عرفها ماضي الإسلام، بعد أن صار دروشة، وطرقًا صوفية، ومكتسبات روحية ومادية لأسر وشخصيات بعينها؛ بحيث يمكن أن نتحدث اليوم عن دولة درويش دنيوية، لا علاقة لها بجوهر التصوف وأبعاده الفكرية وأهدافه التحررية الحقيقية، التي تُخلص الإنسان من رق الأشياء المادية، وتجعله لا يرى في الكون فاعلًا ورازقًا إلا الله، فيسعى في ملكوت الله رافعًا لواء الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

    وهو في النهاية توظيف سياسي جديد للدين، يعادي قيم الحداثة والتنوير، ويُكرّس للطاعة العمياء، ولحضور ودور الجماعات المنغلقة على ذاتها وأفكارها وأفرادها، وهو يُعيدنا لنفس الدائرة المغلقة التي صارت في بلادنا متاهة لا مخرج منها، وهي دائرة خلط الدين بالسياسية، وجعل الدين وقودًا يحترق لكي تدور عجلة السياسة، كما قال الراحل الدكتور نصر حامد أبوزيد.

    إعلان

    إعلان

    إعلان