• دراما زمان وقوة مصر الناعمة

    د. أحمد عمر

    دراما زمان وقوة مصر الناعمة

    د. أحمد عمر
    08:54 م الأربعاء 15 مايو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا أبالغ لو قلت إن جيل التسعينيات في مصر هو الجيل الأخير الذي تأسس وعيه، وتشكل وجدانه، بمتابعة الدراما التلفزيونية الراقية التي شكلت في ذلك الزمان غير البعيد أحد أهم روافد تشكيل الشخصية المصرية، وأمدها بزاد ثقافي راقٍ، ونماذج إنسانية وفكرية جديرة بالقراءة والتأمل والاقتداء، وخاصة بعد أن بدأ التدهور في منظومة التعليم المصري الجامعي وما قبل الجامعي منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومعه تراجع الدور التثقيفي للمدرسة والجامعة، ناهيك من دورهما التربوي والتعليمي.

    وأظن أن معظم أبناء هذا الجيل، وقد كان معظمهم في مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية لديهم ذكريات لا تنسى مع دراما رمضان على وجه الخصوص، وأغاني المقدمة والنهاية الخاصة بها، التي نحب الاستماع إليها حتى اليوم لاستعادة مشاعر وذكريات زمان، عندما كنا ننسج مع كل مسلسل وأغنية أحلامًا كبيرة، ونحلق في آفاق التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي لبلادنا، ونحلم بأن نكون مثل هؤلاء الأبطال الدراميين العظام.

    نعم، في ذلك الزمان غير البعيد كان قدوتَنا ومثلَنا الأعلى أبطالٌ دراميون في المسلسلات المصرية، بعضهم شخصيات حقيقية، وقامات باسقة في تاريخنا وحياتنا وثقافتنا، وبعضهم الآخر من نسج خيال المؤلفين، وكلاهما يُجسد معنى وقيمة؛ بحيث يمكن اعتبارهم بتعبير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز "شخصيات مفهومية" مثقلة بالمضامين والدلالات، مثل شخصيات طه حسين، وجمعة الشوان، ورأفت الهجان، وأبوالعلا البشري، وعباس الضوي، وعلي البدري، وناجي السماحي، وحسن أرابيسك.

    وفي حالتي الشخصية، كان مسلسل الأيام للدكتور طه حسين وأغانيه المُلهمة التي كتبها الراحل سيد حجاب، ولحنها الراحل عمار الشريعي، وغناها علي الحجار، وهو يرجع لزمن سابق على التسعينيات، وكنا نشاهده ونحن في مرحلة الطفولة والصبا، بداية تفتح وعيي الفكري والثقافي، من خلال إدراك جوانب حياة وقيمة ودور الدكتور طه حسين في ثقافتنا، وجعله قدوة ومثلًا أعلى.

    كما أن الطفل الكفيف طه حسين الذي تجاوز بيئته الفقيرة وصعوبات حياته المتعددة، ليبلغ أعلى مكانة في الحياة والثقافة المصرية، أعطاني أول درس في حياتي، وهو أنه لا شيء مستحيل، وأن طريق التعليم والفكر والثقافة يمكن أن يرفع الإنسان لأعلى المراتب الاجتماعية والأدبية، ليصبح صاحب قيمة ودور ورسالة في مجتمعه.

    ومثله أيضا فعل المسلسل الشهير "الوسية" المُستمد من قصة كفاح حقيقية للدكتور خليل حسن خليل، ولا يمكن لأبناء جيلي من أصحاب الأحلام الكبيرة أن ينسوا أغاني المسلسل التي كتبها الراحل سيد حجاب، ولحنها ياسر عبدالرحمن، وغناها محمد الحلو، والتي كانت تدعو لشجاعة الوجود، وتقوية إرادة السعي والاجتهاد والمثابرة والنجاح، والتي كان مطلعها يقول: "مين اللي قال الدنيا دي وسية، فيها عبيد مناكيد وفيها السيد، سوانا رب الناس سواسية، لا حد فينا يزيد ولا يخس إيد. عش يابن آدم بكر زي الشجر، موت وانت واقف زيه في مطرحك، ولا تنحني لمخلوق بشر أو حجر، وشب فوق مهما الزمان جرحك. لملم جروحك يا حزين وامشي، خطوة كمان وتخف أحزانك، واحلم بعين صحية ولا تنامشي، غير لما تقطف زهر أحلامك".

    أما المسلسلات التي عرضت لتاريخ مصر الاجتماعي والسياسي والثقافي، والتحولات التي طرأت على المجتمع المصري والشخصية المصرية، فقد كانت شبه أبحاث علمية مُجسدة دراميًا وبنماذج إنسانية تجعلنا نتابع بشغف كبير تحولات ومصائر الشخصيات، ونتعلم منها، ونأخذ الدرس والعبرة، ونعلم من صان، ومَن هان، ومَن خان، ومَن ترك حبل الفساد والتدهور على الغارب، ومَن ضيع الدور والمكانة.

    فمَن منا ينسى أحداث وأبطال وشخصيات وموسيقى مسلسلات مثل دموع في عيون وقحة، ورأفت الهجان، وبوابة الحلواني، والشهد والدموع، والمال والبنون، وليالي الحلمية، ورحلة أبوالعلا البشري، وأرابيسك، وغيرها من مسلسلات أنتجها التلفزيون المصري في التسعينيات، وارتقت بحس المصريين الوطني والثقافي والإنساني، بل امتدت إلى الوطن العربي، ودخلت كل بيت فيه، وعمقت من حبهم واحترامهم لمصر، وكانت أهم عناصر قوة مصر الناعمة؟

    هذه كانت الدراما التلفزيونية التي صنعت وعينا ووجداننا، وشكلت جزءًا كبيرًا من شخصيتنا في المراحل الأولى لتكويننا، وأعطتنا القدوة والمثل الأعلى، كما صنعت جزءًا كبيرًا من قوة مصر الناعمة في العالم العربي، فهل يمكن مقارنتها بالدراما التلفزيونية التي تُقدم اليوم للأجيال الحالية، الضعيفة دراميًا، والتي تعمق مظاهر التردي والتافهة في المجتمع المصري، وتُجسد نماذج مشوهة فكريًا واجتماعيًا، وتصنع نجومًا وأساطير زائفة بلا معنى ولا قيمة، وتجعلهم قدوة ومثلًا أعلى للشباب؟!

    أظن أنه لا سبيل للمقارنة، وأن هناك شيئًا ما خطأ في حقل صناعة الدراما التلفزيونية المصرية، أدى إلى ضعف قيمتها ومضمونها، ونفور الكثير من المشاهدين عنها، ولا بد من الوقوف على أسباب هذا الخطأ وإصلاحها، حتى لا نعمق التشوه في الشخصية المصرية وثقافتها وقيمها، ونجني على الأجيال المُقبلة، وحتى لا تفقد مصر دورها وريادتها وقوتها الناعمة في تلك الصناعة المهمة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان