داعش وشهر رمضان المبارك

محمد جمعة

داعش وشهر رمضان المبارك

محمد جمعة
09:00 م الأربعاء 15 مايو 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

منذ عام 2014 وحتى الآن، و"داعش" يقوم بتنظيم حملة سنوية من الهجمات الإرهابية المكثفة قبل شهر رمضان المبارك وخلاله.
بدأها بالعراق عام 2014، ثم تطور الأمر على مستوى العالم، فيما تلاها من السنوات، ووصولا إلى العام الحالي.
وكثيرا ما كانت توظف هذه الحملات الرمضانية أيضا للإعلان عمليًا عن التحولات الاستراتيجية الرئيسية للجماعة.

أيضا كان نطاق هذه الحملات وحجمها وتركيزها تتباين من عام لآخر، لكن بشكل عام كانت هذه الحملات تنطوي على تصعيد كبير في الهجمات في الأسابيع السابقة على رمضان وطوال الشهر أيضا، بحيث استمرت هذه الطفرة المتكررة في عمليات التنظيم العالمية كل عام، بما في ذلك العام الحالي، على الرغم من خسائره الإقليمية المتزامنة في العراق وسوريا.

على سبيل المثال، أعلن أبوبكر البغدادي الخلافة في اليوم الأول من رمضان 2014.
وخلال رمضان عام 2015 دشن داعش هجمات ضد الشيعة في دول مستقرة لتعميق الاستقطاب في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
أما في رمضان عام 2016، فقد حاول التنظيم فرض وقائع جديدة، حيث سعى (من أجل تخفيف الضغط عليه في سورية والعراق) إلى شن هجمات داخل بلدان مجاورة، منها تركيا، ولبنان والأردن.
وفوق هذا وذاك راح يوسع من نطاق هجماته ضد العالم غير الإسلامي في محاولة لتعزيز المشاعر المعادية للمسلمين والاستقطاب في الغرب.

في عام 2017، ورغم نجاح التحالف ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة في استعادة السيطرة على شرق الموصل وعزل مدينة الرقة بحلول شهر فبراير 2017 (لينازع داعش السيطرة على مراكزه الحضرية الأساسية في العراق وسوريا) لكن ظلت حملة داعش في رمضان لعام 2017 نشطة بشكل لافت للغاية عبر تنفيذ تفجيرات كبيرة وعمليات هجومية في بريطانيا وإيران والفلبين في (مايو- يونيو 2017).

أيضًا تضمنت حملة داعش في رمضان 2018 تفجيرات انتحارية منسقة استهدفت كنائس وقوات إنفاذ القانون في إندونيسيا قبل يومين من بداية شهر رمضان.
أما في رمضان عام 2019 فأطلق داعش حملته العالمية في أواخر إبريل 2019، من خلال بث فيديو نادر للبغدادي يركز على بقائه، وينذر بالحملات المقبلة، ويشكل مسار داعش المستقبلي.

ولهذا نلاحظ منذ نشر هذا الفيديو يوم 29 إبريل الماضي، وحتى يوم 7 رمضان الجاري، الموافق 12 مايو أن التنظيم قد نجح، مع الأسف الشديد، في شن نحو 21 هجومًا في كل من: نيجيريا، وبوركينا فاسو، ومالي، وبنين، وليبيا، والعراق، وسوريا، راح ضحيتها نحو 124 قتيلا، و20 مصابا، بالإضافة إلى اثنين من الرهائن الفرنسيين.
واللافت في هذه الهجمات أنها من ناحية، تؤكد تركيز التنظيم على أفريقيا، وذلك بالنظر إلى أنه من بين الـ21 هجومًا هذه، وقع 14 منها (أي 66% تقريبا) في أفريقيا، تسببت في نحو 69% من إجمالي القتلى ضحايا هذه العمليات الإحدى والعشرين، فضلا عن اثنين من الرهائن الفرنسيين الذين جرى اختطافهما في بنين.

ومن ناحية أخرى، تعكس كيف أن داعش مستمر في محاولته توظيف انشغال الجيش الليبي في معركة طرابلس، وشن المزيد من الهجمات من أجل تعزيز حضوره في الساحة الليبية.

والشاهد هنا هذان الهجومان اللذين نفذتهما عناصر التنظيم (في إطار الحملة الرمضانية) على أحد معسكرات الجيش في سبها، وأيضا في بلدة غدوة في جنوب البلاد.

ومن ناحية ثالثة لا يزال التنظيم يتمتع ببنية تحتية عميقة في العراق تمكنه من الاستمرار في شن هجماته القاتلة؛ بدليل وقوع ما يقرب من ثلث الهجمات بالعراق، في الفترة المذكورة، وأيضا مثلها من الضحايا.
وعليه، يمكن القول: إذا كان داعش قد جعل من شهر رمضان كل عام فرصة لاستعراض مدى انتشاره العالمي والحفاظ على صورته (بوصفه أخطر منظمة إرهابية في العالم)، فمن خلال ما مضى حتى الآن، من حملته في رمضان 2019 يبدو واضحا أن التنظيم قد عمق هذه البصمة العالمية عبر إيصال رسالة بليغة أن فقدانه الخلافة في معاقله الرئيسية في سوريا والعراق لم يعطل بشكل كبير قدرته على تصميم وتنفيذ الحملات العالمية.

إعلان

إعلان

إعلان