• مدام عفاف

    أمينة خيري

    مدام عفاف

    أمينة خيري
    09:00 م الإثنين 25 مارس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    مع كل الاحترام والمحبة لكل "مدام عفاف" في جمهورية مصر العربية، وأعرف ما لا يقل عن أربع "مدام عفاف" من أرق وأجمل الكائنات، لكن منظومة "مدام عفاف" أهلكتنا، وتكاد تفطسنا فطسة لا رجعة منها.

    عقود طويلة ونحن نحلم بالتغيير، ونتغنى بالتطوير، وندندن أنشودة التحديث. وما إن تبدو ملامح تغيير أولية، أو بوادر تطوير مبدئية أو أمارات تحديث بدائية حتى يتفانى الجميع هبدًا ورزعًا مطالبين بالإبقاء على كل ما هو قديم وعتيق.

    عتاقة الماضي مطلوبة أحيانًا، لكنّ عشوائيته وتحجّره وجموده ووقوفه ومخاصمته روح العصر، بل تقهقره وارتداده، حين صاحب الجمود تحجر الضمير وتحليل فساد الذمم- تدفع بنا في مؤشرات الإنجاز والإنتاج وحتى السعادة نحو القاع.

    القاع هو أن تجد خبير التنمية البشرية يفتيك في شؤون الثروة الداجنة، وأن تتوجه لاستشاري الجهاز الهضمي لينصحك بأن تقرأ "الأهرام" بديلاً عن "الأخبار" لجودة "حظك اليوم" فيه، وأن تعتمد على مجموعة "سلفني شكرًا" على "واتس آب" لتقييم أنفاق قناة السويس، وأن تترك المجال أمام عم حسين البواب ليدلك على أفضل جامعة في مجال هندسة البترول، وأن تستضيف ممثل "ثورة معلمي مصر" ليتحدث عن مشكلة "أوبر" و"كريم" في مواجهة التاكسي الأبيض.

    وفي القاع أيضًا تجد من يعتبر "حسنين ومحمدين" مرجعية في مواجهة القنبلة السكانية في العام الـ19 من الألفية الثالثة، وأن تنظر إلى "ست سنية" وكأنها خبيرة الفقر المائي واختصاصية تحلية مياه البحر لمواجهة التغيرات المناخية، وأن تحن إلى "حنفي الونش" لأنه مطرب العواطف، كما ينبغي أن يكون، وهلم جرًّا.

    ولأن الملايين تحلم بالتغيير، وتطالب بالتطوير، فعلينا أن نحسم أمرنا ونبت في شأننا. فالتغيير- أي تغيير في العالم- لا يأتي بالمجان ولا يحدث دون تضحيات. والتطوير لا يتبلور بجرة قلم، أو قرار حكومي أو حتى رئاسي أو أممي. التطوير عملية تبدأ بخطوات وتمر بتجارب ينجح بعضها، ويخفق بعضها، وتبني الخطوة التالية على الاستفادة مما سبق.

    وسبق أن حلمت مصر بالحكومة الإلكترونية. وتبلورت في عهد سابق أولى ملامحها. في البداية رفض الناس وقاوموا، وظلوا في قرارة أنفسهم يهتفون بحياة "مدام عفاف". ورغم أنها كفرتهم في عيشتهم، ودوختهم السبع دوخات طيلة حياتهم، وتربعت على عرش التعقيد والتصعيب والتضييق، بدءًا بطلب تمغة مرورًا بتأجيل التوقيع النهائي لحين عودة زميلها أستاذ فتحي من عمرة رمضان وانتهاءً بتناول سندوتش الفول مع الباذنجان المخلل على الطلب المقدم لها، رغم ذلك ظللنا مخلصين لـ"مدام عفاف".

    وكلما لاح أمل إبرام الخطوات وإنهاء الأوراق إلكترونيًا حيث لا مجال لسياسة الدرج المفتوح أو عقيدة "فوت علينا بكرة"، تخوفنا وتقلقلنا، وقررنا أن نبقى على عهد "مدام عفاف".

    صحيح أن الحكومة الإلكترونية قد تعاني انقطاعًا في الكهرباء، وقد تمر بقطع في كابلات الإنترنت أو بطئًا في السرعة أو خطأ في السيستم"، لكنها تظل لا تأكل الفول أو تقوم بالعمرة على حساب مصالح المواطنين أو توقف المراكب السائرة بحجة التمغة الناقصة.

    وما ينقصنا بالفعل هو الإيمان بأن التغيير الحقيقي لن تنجزه ماما الحكومة أو بابا الرئيس وحدهما.

    قد تيسره الحكومة، وقد يصدر الرئيس في شأنه قرارًا، لكن أن ينجح، فهذا يعتمد على قابليتنا لاستقباله وتقبله والمشاركة في تحسينه وتجويده، لا في تكسير مجاديفه وتصديع عواميده.

    وعلى من يرغب في استقلال قطار التطوير أن يعرف أن الرحلة بتذكرة لها ثمن، ومعرضة للتوقف في الطريق لعطل داخلي أو عوق خارجي. من سبقونا خاضوا رحلات مشابهة، وحققوا نتائج متفاوتة، كل بحسب واقعيته وقدرته على فهم كلفة التطوير.

    ربما تكون "مدام عفاف" على رأس قائمة المتضررين من التطوير الذي نحلم به، فتبتدع عرقلة جديدة هنا لتنبهنا إلى قدراتها على صناعة العراقيل، أو تدشن مجموعة على "واتس آب" تحمل اسم "كلنا مدام عفاف".

    واليوم علينا أن نختار بين مستقبلنا ومستقبل "مدام عفاف".

    إعلان

    إعلان

    إعلان