• إنها الناعشية الجديدة!

    محمد حسن الألفي

    إنها الناعشية الجديدة!

    محمد حسن الألفي
    09:00 م الثلاثاء 19 مارس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا يمكن فصل مجزرة الكراهية التي وقعت في مسجدين بمدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا، وقتل فيها بدم بارد خمسون مصليا طاهرا عن الإطار الفكري والمذهبي الذي جعل شابا في الثامنة والعشرين من عمره يؤمن بأن كل أجنبي فوق الأرض البيضاء هو من الغزاة المعاصرين، الذين هم بدلاء الغزاة الأقدمين من المسلمين!

    المقصود بالأرض البيضاء في فكر القتل المؤسس على الكراهية هو كل القارة الأوروبية والأمريكية والأسترالية، واي مكان توجد به الأغلبية البيضاء.

    مصادر هذه الداعشية الغربية متعددة، سنحصرها لاحقا، لكن ما يجب التأكيد عليه هو صعود نجم اليمين المتطرف في كل القارة الأوروبية وعبر الأطلنطي في الولايات المتحدة الأمريكية. مصادر قوة ووقود حركة هذا العنف المذهبي هي الإيمان المطلق بتفوق الجنس الأبيض، وامتيازه، وضرورة الإبقاء على نقائه، وهذه الفكرة بالذات هي استدعاء جديد للفكر الاستعماري الذي سيطرت به أوروبا على مساحات وشعوب في قارتي آسيا وأفريقيا، زرعت فيهم أن الأبيض هو الأرقى وهو الأقوى.

    ارتبطت بمجزرة المسجدين ثلاثة مصطلحات سياسية كاشفة، تعتبر هي آبار الفكر العنصري التي شرب منها السفاح الإرهابي برينتون، ولا يزال ملايين مثله في طور الشرب والتخمير والتجهيز في العالم الغربي ضد الأقليات العرقية والدينية.

    المصطلح الأول هو Popularism، وكما أشرنا من قبل في هذا المنبر (مصراوى)، فإن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يعد نبيها الجديد وقائدها الأبرز حاليا في عيون الدهماء والغوغاء والأناركيين (الفوضويين) والأغنياء المترفعين، وكارهي الأجانب، والزنوج، لكن من الحق القول إن المصطلح وثيق الارتباط بأدبيات الخارجية الأمريكية وعقيدة الفوضى الخلاقة! وهو ما تكتوى به المنطقة العربية حتى الآن.

    القرارات المتسلطة لترامب وقراراته ضد المهاجرين من المسلمين والمكسيكيين عززت مكانته وسط الحشود الشعبوية، لكن واقعة أخرى في مدينة شارلوتز فيل بولاية فرجينيا كان طابعها عرقيا صرفًا، وشارك في الاشتباكات النازيون الجدد وجماعة كوكلاكس كلان KKK المعادية للزنوج، انصب فيه عنف القوميين البيض على السود وغيرهم.
    كان ذلك في أغسطس ٢٠١٧ بعد عام واحد من حكم ترامب. وفي نفس المدة أيضا تحولت الشعبوية من العنصرية Racism إلى مصطلح Supremacism أي التعالي وتفوق الرجل الأبيض.

    هذه المنابع الثلاثة هي حقول الفكر اليميني المتطرف حاليا، والذي ينبئ بأن مذبحة الخمسين مصليا في مسجدي نيوزيلندا لن تكون الأخيرة في ذلك البلد أو في غيره.

    ولا نظن أن صدور معظم المهاجرين والمتجنسين من العرب والمسلمين خالية من الهواجس والمخاوف، والمسيحيين في العالم الغربي أيضا، لأن المسيحي حتى إن نجا من العنف بسبب تماثل دينه مع دين قاتله المحتمل، فلن ينجيه لونه الشرق أوسطي!

    كراهية الأجانب هي الداعشية الغربية، وهي مثيلتها، وهي نقيضها في الوقت ذاته، تولدت بتمويل غربي مخابراتى بفعل العنف التكفيري الذي مارسه خوارج الإسلام داخل بلدانهم وخارجها، حتى في المجتمعات التي تؤويهم وتطعمهم وتحميهم!

    كانت النازية عنصرية عرقية كريهة، والداعشية عنصرية دينية كافرة بكل القيم السماوية والإنسانية.. واليوم يمكن القول إن (الوطنية البيضاء) هي النموذج الذي يجمع بين نازية الجنس الآري وتفوقه وداعشية التكفير والتفجير.
    اليمين المتطرف البازغ بقوة حاليا في الغرب هو مزيج منهما.. إنها الناعشية الجديدة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان