• الجري إلى مكة.. تمرين في تربية الإرادة

    د. عمار علي حسن

    الجري إلى مكة.. تمرين في تربية الإرادة

    د. عمار علي حسن
    09:00 م الأربعاء 27 فبراير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    طالما قرأنا عن الذين حجوا إلى بيت الله الحرام سيرا على الأقدام في سالف الزمن، منهم الصوفي الكبير "بشر" الذي حج حافيا ممعنا في الزهد والمجاهدة، فأطلق عليه الناس: "بشر الحافي"، بينما كان الجميع يقصدون مكة على ظهور الإبل والخيول، التي كانت تضمر وتهزل من طول الطريق ووعورتها.
    كل هذا صار من قبيل الذكريات التي تنبعث من قلب التاريخ البعيد، المطوي في بطون الكتب، يمكن لأولئك الذين يذهبون إلى مكة معتمرين أو حاجين أن يقرؤوها وهم يرتادون السيارات والسفن والطائرات في زماننا هذا قاصدين الكعبة المشرفة.
    لكن د. خالد السويدي، المدير التنفيذي لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، قرر أن يحيي الرحلة جريا من أبوظبي إلى مكة، فانطلق في أول فبراير من عند مسجد الشيخ زايد الكبير، وانعطف في اتجاه أراضي السعودية، فمر بالعاصمة الرياض، ومنها أخذ طريقه مباشرة إلى مكة المكرمة.
    وقد قرأت أن والده الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي الكاتب والمفكر السياسي كان معه لحظة انطلاقه، وأنه زاره مرتين على مدار هذه الرحلة، كي يطمئن عليه، وكتب على موقع التواصل الاجتماعي للرسائل القصيرة "تويتر" تغريدة مؤثرة يقول فيها: "خالد.. أريد أن أقول لك إنك تمنحني شعوراً بالفخر والرضا تفوّق على خوفي عليك كأب من مخاطر الطريق. فالإصرار الذي رأيته في عينيك، واليقين الذي ينبض به صوتك، وآلاف الساعات التي قضيتها تجري في أصعب الظروف المناخية أزالت قلقي وهواجسي. أثق في أنك ستنتصر.. لأن الله لا يضيع جهداً صادقاً".
    وحين كتب هذا توالت تحبيذات وتعليقات كثيرة عليه، أغلبها ذهب إلى الإشادة بهذه الخطوة، وبدا متعاطفا مع مشاعر الأب، ومساندا لما أقدم إليه الابن بإصرار شديد، خاصة أن هذه الرحلة تبلغ ستة أضعاف رحلة سابقة له قطعها من رأس الخيمة إلى أبوظبي قبل أشهر قليلة.
    وهناك من تساءل عند جدوى هذا الجهد الكبير، فرد عليه آخرون متحدثين عن تربية الإرادة، وتقوية العزيمة، وتعزيز الإصرار، في نفس شاب، يضرب مثلا لغيره، لا سيما في زمن تحول فيه أغلب الشباب إلى التساوق مع الرياضة فرجة وتعصبا وانحرافا في اختيار المثل العليا.

    وقد دفعني هذا الوضع المؤسف إلى أن أكتب في مقالي هنا الأسبوع الفائت قائلا: "كتاب البداهة لشرح ما بين جمهور الأهلي والزمالك من تفاهة" .. يجلس الشاب على المقهى غارقا في الدخان يصرخ على كرة هنا أو هناك، دون استمتاع باللعب، ويواصل صراخه على فيسبوك وتويتر، من أجل لاعبين يسرعون كالخيول بينما هو لا يستطيع أن يجري أمتارا متواصلة. هل هذا هو الهدف من الرياضة؟".
    على النقيض من هذا اتخذ خالد السويدي من الرياضة وسيلة لتربية إرادته، وقبل هذا إيصال رسالة إنسانية وسياسية، فرحلته الأولى من رأس الخيمة إلى أبوظبي أراد من خلالها أن يلفت الانتباه إلى ضرورة التعاطف مع مرضى السرطان، ورحلته إلى مكة أراد بها أن تكون جانبا من "دبلوماسية شعبية" لتعزيز العلاقة بين الشعبين الإماراتي والسعودي، في وقت صار فيه هذا الاتجاه في العلاقات بين الدول محمودا ومستساغًا ومرغوبًا فيه، بل وضروريا.
    وبينما نجحت الرحلة الأولى في تحقيق هدفها، يبدو أن تفاعل السعوديين مع الرحلة الثانية واهتمامهم بها، يشير إلى أنها في طريقها إلى تحقيق هدفها. وكل هذا لا يغطي بالطبع على هدف ذاتي، غير معلن، من هاتين الرحلتين المختلفتين في المسافة، وهو تربية الإرادة، فالجري المتواصل لألفي كيلومتر ليس بالأمر الهين أبدا في حياة العَّداء الهاوي الطموح.

    إعلان

    إعلان

    إعلان