أصحاب الهمم (18).. جنرال الموسيقي "1"

د طارق عباس

أصحاب الهمم (18).. جنرال الموسيقي "1"

د. طارق عباس
09:00 م الخميس 07 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كان إبداعه علامة فارقة في تاريخ الموسيقى، كان كالانفجار الذي غيرها للأبد، لم يَعِش سوى 56 سنة لكن أعماله الفنية كانت وستظل خالدة لما حوته من ثراء التجربة وصدق الموهبة وقوة الإصرار والتحدي إنه "بيتهوفين" اسم متى تردد يحثك أن تتعمق سيرته وتستكشف عوالمه وتغوص في سحر موسيقاه الطافح بالإبداع والتميز لتتعلم أن قيمة الإنسان ليست في مقدمة للدنيا وإنما بقدرته على التأثير فيها.

إن بيتهوفين الذي أمتع العالم بأروع مؤلفاته "سيمفونيات وسوناتات وأوبرات ورباعيات وترية وباليهات، كان أصمَّ أكثر من نصف حياته، وهي المرحلة التي نبغ فيها وفي الوقت نفسه بدأت همومه وأحزانه تتراكم فوق رأسه بتزايد مصيبة الصمم وتأثيرها السلبي على حياته وقد عبر عن أزمته مع إعاقة الصمم من خلال رسالة بعث بها لصديقه "فجلر" وذلك في سنة 1801، قال فيها: (لا بد لي من الإقرار بأنني أعيش حياة بائسة للغاية، فقد امتنعت عن حضور المناسبات الاجتماعية على مدار العامين الماضيين؛ لأنه يستحيل على إخبار الناس بأنني أصم، ولو كنت أعمل في مجال آخر لواجهت عجزي عن السمع واحتملته، لكنه عائق كبير خاصة في مجال الموسيقى الذي احترفت العمل به، وطبعًا عند بيتهوفين كل الحق إذ كيف يمارس الإنسان الموسيقى وهو مفتقد لأهم أدواتها "السمع"؟ كيف يؤلف الموسيقى، ثم لا يستمع لما يؤلفه أو على الأقل يستمتع بتصفيق الناس له؟!.

في هذه المرحلة من صراع بيتهوفين مع مرض الصمم – والتي عُرِفَت بالمرحلة البطولية - تمكن العبقري بيتهوفين من تأليف أجمل وأروع وأعظم وأبرز أعماله الموسيقية، "6 سيمفونيات، 5 رباعيات وترية، ست سوناتات وترية، 7 سوناتات بيانو، سوناتا للكمان، 22 نشيدًا، أوبرا واحدة "فيديليو".

لقد مَثَّلَ بيتهوفين بإعاقته السمعية تجسيدًا أكبر للقوة الجامحة للفن الموسيقي وأفضل صديق لجميع أولئك الذين يعانون ويقاومون دفاعًا عن حقهم في إثبات الذات والبحث عن المكان والمكانة اللائقة بالقدرة على التميز والإبداع.

وُلِدَ لودفيك فان بيتهوفين في 16 – 12 – 1770، بمدينة بون في مقاطعة كولونيا، كانت والدته "مريم ماجدلينا" سيدة نحيلة وأنيقة، أما والده "يوهان فان بيتهوفين" فكان مغنيا، اشتهر بإدمانه الكحول أكثر بكثير من اشتهاره بقدراته الغنائية وكذلك كان جد بيتهوفين هو الآخر موسيقيا بارزا ومشهورا بل كان بمثابة المصدر الملهم الأول والمؤثر الأكبر في حياة بيتهوفين وفي تكوين شخصيته وتشكيل إحساسه وخبراته الفنية والعملية.

منذ كان بيتهوفين على أعتاب الطفولة اهتم به أبوه وحرص على تنشئته موسيقيا وتعليمه العزف على آلتي البيانو والكمان، والحقيقة أن الأب من شدة حرصه على وضع ابنه في بداية الطريق، تشدد معه إلى حد التطرف، فكان يضربه ضربًا مبرحًا إذا قصر في فترات التدريب أو عجز عن أداء مقطوعة موسيقية بعينها وكثيرًا ما اختلط بكاء بيتهوفين مع صوت البيانو واستمع إليهما الجيران وتدخلوا لدى الأب كي يرفق بابنه ولا يعنفه.

إضافة للدروس التي كان بيتهوفين يتلقاها من والده تعلم أيضا من الموسيقيين المتميزين المعاصرين له في بون، فكان يسمع عنهم ويقلدهم ويتمرن على أساليبهم حتى تكونت له خبرات تفوق عمره بكثير، وقد أغرت تلك الخبرات الأب بأن يسعى إلى نيل اعتراف عام بقدرات ابنه، فنظم أول حفل موسيقي للطفل وهو لا يزال في سن الثامنة وذلك في يوم 26 مارس 1778، وقدمه للجمهور واصفا إياه بـ"موزار الصغير" وإنه الطفل المعجزة صاحب الأصابع الذهبية، والحقيقة أن أداء بيتهوفين في هذا الحفل كان مبهرا ومتفردا ولافتا للنظر، الأمر الذي جعل بعض الأعيان يتسابقون لدعمه وتبنيه وتهيئة الظروف المناسبة لاستمرار تفوقه.

وللحديث بقية في الأسبوع القادم.

إعلان

إعلان