• أنا كده استفدت إيه؟!

    محمد حنفي نصر

    أنا كده استفدت إيه؟!

    محمد حنفي نصر
    09:00 م الثلاثاء 05 نوفمبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    ـ اعتراه القلق في غرفة الولادة، فقرر أن يسرح بخاطره، ويناجي طفله المنتظر. فأغمض عينيه يحدثه:

    ـ هانت يا حمادة، كلها ساعة وتيجي تنور لنا الدنيا، وتعيش وتدوق متع الحياة.

    ـ زي إيه؟

    ـ (باغته السؤال) زي إيه؟ حاجات كتير. مالهاش عدد ولا حصر. مثلاً. ح تحب وتتجوز.

    ـ يعني أول ما أنزل ح اتجوز؟

    ـ لأ طبعاً. الأول تروح المدرسة، وتذاكر، وتنجح.. وبعدين الجامعة وتاخد شهادتك.

    ـ سهلة يعني؟

    ـ متقدرش تقول سهلة. فيها ييجي 25 سنة، حوالي تلت عمرك. وده محتاج مجهود وسهر ومذاكرة ودروس خصوصية. كمان لازم أربيك كويس، وأعلمك الصح من الغلط.

    أنا أبٌ شرقي ومعنديش "هزار".

    ـ ح تعمل إيه يعني؟

    ـ لأ. متردش عليا كده. ده أنا اضربك بالجزمة واعلمك الأدب. وكل ده لمصلحتك يا حمادة.

    ـ اللي هي إيه؟

    ـ إنك تبقى محترم وتاخد شهادة محترمة عشان تشتغل.

    ـ أشتغل! أشتغل ليه؟

    ـ عشان تكون نفسك وتتجوز اللي بتحبها.

    ـ وأحبها أصلاً ليه؟

    ـ عشان تتجوزها يا حمادة.

    ـ هو الجواز حلو كده؟

    ـ هو تقدر تقول حلو، بس فيه شوية حاجات بسيطة. يعني مش ح ينفع قوي تسهر مع اصحابك.

    مش ح تعرف تسافر لوحدك. تنزل الزبالة. تجيب طلبات البيت. تشتري شاور جل كتير ولوشن كتير وزبدة كاكاو كتير. غير بقى إنك ح تتكسح أقساط تكييف وتلاجة بابين وعربية. بس كل ده ميسواش حاجة قدام فرحتك لما تخلف وتبقى أب ويبقى عندك عيال.

    ـ يعني العيال دي حاجة كويسة؟

    ـ ده انت ح تبقى طاير م الفرحة. بس فيه شوية حاجات بسيطة كده. يعني ممكن تقعد لك سنة ما بتنامش من عياط الواد. وتشيل وتأكل وتكرع وتودي للدكاترة وتدي تطعيمات. تصحى تودي الحضانة. تشتغل بعد الضهر عشان مصاريف الحضانة. تبيع شوية عفش عشان مصاريف المدارس. وعادي جداً بعد ده كله الواد يضرب بانجو ويجيب لك مصيبة. عادي.

    ـ والعيال دي مش ح يجيلهم وقت يغوروا في داهية يتجوزوا ويحلوا عن سمايا؟

    ـ ح يغوروا بس لازم تشتغل زيادة عشان تجوزهم وتجهزهم وتعمل لهم مرتبات شهرية عشان مش ح يقدروا يشيلوا لوحدهم.

    ـ لحد إمتي؟

    ـ لحد ما تتكل. بس برضه لازم تكون شايل لهم قرشين وإلا مش ح تلاقي اللي يمشي في جنازتك. بس يا حمادة أنا مش عايز كل ده يحبطك. دي تحابيش الحياة إنما الحياة كلها متع. عندك مثلاً الطبيعة وجمال الطبيعة.

    ـ أيوه سمعت عنها.. الجناين والزهور والعصافير الملونة.

    ـ مش بالظبط. أصل احنا كتير وزبالتنا كتير ومطرح ما الإيد بتطول بنرمي، وموضوع الجناين والزهور ده مش أساسي قوي.

    سيبك م الطبيعة عندك مثلاً الفنون. الأدب. الموسيقى. ولّا أقولك. أجّل دول شوية عشان عندنا فيهم أزمة من ييجي ٤٠ سنة. أنا شخصياً باعتبر الحاجات دي كماليات. متعتي الحقيقية طبق شوربة كوارع مفصصة، مع طبق فتة. يااااه يا واد يا حمادة بالدنيا وما فيها. تعالى انت بس وانا أفرجك. ده انا ح اعمل لك سبوع وأعياد ميلاد وح اخليك تتف على عمو، وتشتم خالتك وح ابسطك آخر انبساط.

    ـ يعني انت عايزني أسيب بطن الست الطاهرة دي وانا واكل شارب نايم عشان أنزل أتهزأ وانضرب بالجزمة وأطفح الكوتة شغل لحد ما أموت، واشتري شاور جيل كتير، وأعيش في زبالتكم وذوقكم الزفت وأخلاقكم المهببة عشان أشرب شوربة كوارع وأتف على عمو؟ أنا كده ك حمادة، استفدت إيه؟

    (أفاق الأب على صوت الطبيب وهو يحاول إخراج المولود، فقام يربت على كتفه):

    ـ بقولك إيه يا دكتور. لو مش عايز ينزل ما توجعش دماغك، خليه متلقح جوه.

    دي عيال عايزة الحرق.. ماشي يا حمادة؟!

    إعلان

    إعلان

    إعلان