الزاهد الصغير

د. عمار علي حسن

الزاهد الصغير

د. عمار علي حسن
09:00 م الأربعاء 27 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

طيب أنت كرغيف خبز، وديع كنبتة يانعة، مسالم كيمامة شبعى، رخي كنسيم أمسيات الصيف الصافي، تكتفي من العالم بجسر آمن، ومن الناس باعتزالك، حتى لا يجرحون توحدك الرائق، وأنت تنعم بلحظات تأمل عميق، أو تكون غارقًا في صفحات كتاب، أو شاشة حاسوب، تقضي ساعات تنام الدنيا فيها تحت قدميك، أو تقف عند أطراف أصابعك، فما لديك يغنيك عنها، ويأتي بها إليك دون أن تبرح مكانك.

أيها الزاهد العظيم بلا ادعاء، لم أرك يوًما تلهث وراء شيء، ولا تحقد على أحد، ولا تفتح عينيك الواسعتين اندهاشًا، فقد تساوت عندك وحولك كل الأشياء، ولا يملؤك سوى صوت الدهشة العظيمة المستقرة في أعماقك السحيقة.

معجزة الله أنت، وحده الذي أعادك من الغياب إلى الحضور، وجعل من خرسك نطقًا، ومن تخليك تجليًا، ومن ذهابك إيابًا. وحده الذي استجاب لدعاء الملهوف، حين كان الليل قد بلغ أشده، وسمع الاستغاثات الهادئة حتى شاخ السواد وسقط على عتبات النور.

هناك يا صغيري الذي كبر، كان ذلك الذي يودع الشباب واقفًا عند الحافة، موقنًا أنه لن يهوي بك؛ لأنه قد أيقن بالاستجابة القادمة من جوف الفضاء البعيد، فرسخت قدماه، وامتد عنقه فملأ قلب الفضاء الرحب، وعاد بك من الخوف إلى الأمان، فانطرح أمامه جسر للعبور إلى حيث ينبغي أن تكون وتبقى.

يا أيها الذي مني، أنا الذي منك، أتوق إلى أن أكون أنت، نفس راضية، وقلب ينبض بالمحبة للعالمين، ولسان لا ينطق إلا صدقًا، وقدمان لا تسعيان يومًا إلى خطأ أو خطيئة.

أيها الولي الذي لا يعرف أسرار ولايته، خذني على طرف جناحك الظاهر الذي لا أراه، ولا تلقني إلا حين أرى صورتي مطبوعة في قلبك، وحين يسري نبضك في عروقي، ويومض في رأسي بعض ما في رأسك من خيال عبقري.

يا نبت الخير في أرض يسكنها الأشرار، لا تحفل بالشوك الممدود إليك، ولا تجفل من سياط الألسنة الطافحة بالأذى، وحدها طيبتك ستعصمك من كل سوء، فلها المجد والغلبة دومًا.

كن واثقًا من أن ما يملؤك سينزل بردًا وسلامًا على كل نار تريد أن تحرق أحلامك المجنحة التي تريد أن تطير نحو عالم جميل هانئ.

يا صغيري الكبير، هناك تحت ظلال وارفة رأيتك غير ما رآك كثيرون، وانتظرت ما رأيت، فلم يخذلني الله، وأفهمني ما يدب في المساحات الموصولة بين اليمام والبشر، وما يجعل السنابل العفية تخفي قشورها الذهبية لحمًا ودمًا، وما يدفع الخبز لينطق في بطون الفقراء، وما يجعل الأرقام تتجمع وتتحد فتصير حروفًا، أقرأها بعينين تتسعان اندهاشًا، وأنا أراك ترسم شجرة على الورق الأبيض، تتساقط من فروعها العفية ما نتكلم به، وما نحسبه.

شجرتك أنت يا صغيري، الذي فاقني جسدًا، خليط لم يخلق بعد، ثمر له كل الطعوم، ورائحة الكافور، وظلال الجميز، الذي يعشق المساحات الخالية. أراك تلك الشجرة التي تروى على فروعها حكايات عجيبة، يرويها كل الذين مروا تحتها سريعًا، ومن جلسوا تحت أذرعها الممتدة في رضاء.

وأنا الذي لم أبعد ناظري عنك، رأيت كيف كانت نفسك وعقلك تسابقان جسدك، الذي كان يشق طريقه عفيًّا في أرض قاحلة، لتصير ذلك الولي الطاهر، غير المشغول بمراقبتي وأسئلتي؛ لأن قلبه موصول بما هو فوقي، وما هو أبعد طويلًا مما يصل إليه خيالي ومجاهدتي وإرادتي، فأمشي خلفك، وأقول لك دون أن تسمعني:

ـ أنت شيخي وأنا مريدك.

أقولها حين أدرك طيبتك الخالصة، وانعدام حقدك، ورفرفتك التي لا تتوقف وأنت منقطع عن كل من يشد الناس إلى الوحل. أريد وقتها أن أمد ذراعي إلى جانب وأتوه بعيدًا عن الناس والأشياء غارقًا في السكينة الأبدية معك.

يتقافز جسدك الثقيل قريبًا، لكن روحك تذهب بعيدًا، تعود من حيث أتت، ثم ترتد إليك بين غمضة عين وانتباهتها، بينما أنا أكتفي بالفرجة المغموسة في حسراتي، راضيًّا بما أقوله لك أحيانًا:

ـ أنت روح روحي.

سيان عندي أن حللت فيك، أو حللت فيَّ، فأنت مني حين شاء الجسد، وأنا منك حين شاءت الروح.

إعلان

إعلان