لماذا كان التصعيد في غزة

محمد جمعة

لماذا كان التصعيد في غزة

محمد جمعة
09:00 م الخميس 14 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

محمد جمعة

لم ينس نتنياهو أن بهاء أبو العطا قائد المنطقة الشمالية في "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد هو من أهانه شخصيا قبل نحو الشهرين تقريبا. عندما قرر أبو العطا إطلاق بعض الصواريخ على أشدود وعسقلان في 10 سبتمبر أثناء خطاب لنتنياهو كان يلقيه في تجمع انتخابي. آنذاك سخر الكثيرون في داخل إسرائيل (لا سيما المنافسون السياسيون) من نتنياهو الذى أنهى خطابه واضطر حراسه الأمنيون لإجلائه على عجل. كانت تلك ضربة مؤلمة علنية لنتياهو قبل أسبوع واحد من انتخابات 17 سبتمبر الماضي.

في تلك الليلة، أمر نتنياهو بالقضاء على أبو العطا، لكن المحامي العام أفيشاي ماندلبليت حال دون تنفيذ القرار في الحال. وأمر نتنياهو بعقد مجلس الوزراء بشكل صحيح والتوصل إلى قرار "قانوني" وفقا للقواعد الدستورية المرعية في إسرائيل... وقبل يومين فقط قام نتنياهو بتسوية حساب مؤجل !

الإتيان على ذكر تلك الواقعة الآن ليس المقصود به تبنى وجهة النظر التي تقول إن ما حدث فجر الثلاثاء الماضي في قطاع غزة، مرده الحسابات الشخصية لنتنياهو وفقط، خاصة وأن الأخير قد تسبب في تعقيدات لا حصر لها في إسرائيل بسبب خوفه من السجن والملاحقة القضائية. وأقدم على جملة من الممارسات تشي كلها بأن الرجل لم يتردد في وضع النظام السياسي كله رهينة لمخاوفه تلك !!

بالتـأكيد لا نقصد ذلك، إذ في كل الأحوال لا يسعنا أن نغفل عن حقيقة أن قرار اغتيال مستوى عال من القيادة العسكرية للجهاد يخضع لحسابات وتعقيدات كثيرة، وأنه مهما بلغ نفوذ أو سطوة أي قائد سياسي في إسرائيل، لا يمكنه أن يتجاوز صلاحيات أو تقديرات المؤسستين العسكرية والأمنية بشأن أمر كهذا... فما بالنا الآن ونتنياهو في أشد لحظات ضعفه، إن لم تكن قد انتهت حياته السياسية بالفعل.

تطورات الأوضاع على الأرض تشير إلى أن بهاء أبو العطا كان محط أنظار المؤسسة العسكرية في إسرائيل، بل وقد وضعت أمام اسمه علامة استفهام كبيرة قبل عدة شهور مضت- على الأقل - بعدما بدا أنه المنفذ الرئيسي لكل توجهات حركة الجهاد في غزة ... حيث خطط ونفذ عمليات إطلاق مئات الصواريخ في الفترة التي سبقت مسابقة الأغنية الأوروبية التي كانت مقررة في تل أبيب في 18 مايو الماضي، إلى الدرجة التي أثارت – آنذاك- مخاوف المسئولين هناك بشأن ما إذا كانت تلك المسابقة ستحدث بالفعل أم لا. وبعد أن انتهت المسابقة، نشر الجيش الإسرائيلي ( في خطوة غير عادية) صورة أبو العطا كإشارة وتهديد وتحتها: إذا استمرت الجهاد الإسلامي في شراستها، فإن إسرائيل تعرف من المسؤول وستضع يدها عليه.

أيضا ظهر أبو العطا في الشهور الأخيرة في صورة الرجل القوى الذي أهان حماس أكثر من مرة بانتهاك وقف إطلاق النار مع إسرائيل. والذي يمتد تأثيره العسكري على قطاع غزة كله وليس القطاع الشمالي منه فقط. ومن يقف وراء معظم الأنشطة بما في ذلك القصف الصاروخي الذي تعرضت له إسرائيل في بداية نوفمبر الجاري.

الآن بعد الإعلان اليوم الخميس عن اتفاق لوقف إطلاق النار من جديد، يبدو واضحا أن الوضع في غزة سيعود إلى نفس المعادلة السائدة منذ مارس عام 2018، أي "المراوحة بين التهدئة الهشة والتصعيد المنضبط" ... أي لن نصل إلى الهدوء الذي يؤسس لهدنة طويلة المدى، كما لن تنزلق الأوضاع الميدانية إلى هاوية الحرب المفتوحة والعمليات العسكرية الكبيرة التي شهدناها قبل ذلك في أعوام 2014، و2012، و2008.

لكن هذا لا يعنى أنه لا جديد في الميدان.... بالتأكيد هناك ما يلفت الانتباه في جولة التصعيد الأخيرة.

من ناحية، يمكن القول إن هذا الحدث الذي أشعل جولة أخرى من القتال بين إسرائيل والجهاد، جاء في الوقت المناسب تمامًا لنتنياهو... فمن خلاله سجل ثلاثة أهداف مهمة: أولها أن اليميني المتطرف نفتالي بينيت، عدو نتنياهو القديم (الذي نجح في انتزاع حقيبة الدفاع قبل أيام فقط) تعرض لإذلال علني بعد أن تم القضاء على قائد عسكري في الجهاد قبل خمس ساعات من تسلمه منصبه الجديد رسميا... وهكذا ذهبت مكاسب العملية إلى نتنياهو وحده.

ثانيا، وثالثا: لقد رحل أبو العطا، وذهبت معه فرصة زعيم "أزرق - أبيض" بيني جانتس لتشكيل حكومة أقلية ضيقة بدعم من الأحزاب العربية في الداخل الإسرائيلي. إذ من غير المرجح أن يدعم الجمهور الإسرائيلي هذه الخطوة الآن.... ناهيك عن أنه وبينما كان جانتس وأنصاره يحاولون تشكيل حكومة أقلية بدعم من الأحزاب العربية، كان أعضاء الكنيست في هذه الأحزاب يرفعون صوتهم عاليا مستنكرين اعتداءات إسرائيل في غزة، وعمليات القتل المستهدفة هناك.

وهذا يعني، في التحليل الأخير، أن احتمال قيام تحالف ضيق قد أصيب بموت مبكر، ولم يبق الآن سوى خيارين فقط: إما حكومة وحدة بين نتنياهو وجانتس، أو جولة ثالثة من الانتخابات، وهذا بالضبط ما يريده نتنياهو.

ومن ناحية حسابات الفصائل الفلسطينية في غزة، يمكننا أن نتوقف كثيرا أمام دلالات ما حدث بين حماس وإسرائيل أثناء هذه الجولة من التصعيد.. فلأول مرة منذ فك الارتباط في غزة عام 2005، لا تحمل إسرائيل حركة حماس المسئولية (كونها السلطة الحاكمة في غزة) ولا تفرض عليها ثمنًا نتيجة إطلاق الصواريخ من القطاع. وإنما ركزت إسرائيل فقط على الجهاد الإسلامي.

كذلك لأول مرة تمر أكثر من 48 ساعة على التصعيد والقصف المتبادل بين إسرائيل وغزة، دون أن تنخرط حماس فيه، أو تسمح للجهاد الإسلامي بتوريطها مع آلة الحرب الإسرائيلية...

هذه المعطيات بالتأكيد غير مسبوقة، وتشير بوضوح إلى أشياء كثيرة تتعلق بالتطور الحادث في العلاقة بين حماس والجهاد، وأن الأخيرة أصبحت تشكل تهديدا فعليا لحماس، وباتت تزاحمها على صدارة معسكر المتحدثين بالمقاومة، أو الاستمرار كطرف مقرر ووحيد في غزة... وتلك مسألة تحتاج إلى حديث آخر.

إعلان

إعلان