• لماذا كُتبت "المولودة" بالعامية؟

    محمود الورداني

    لماذا كُتبت "المولودة" بالعامية؟

    محمود الورداني
    09:01 م الخميس 31 يناير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    كنت أنوي استكمال ما كنت قد بدأته من تقليب في السيرة الذاتية للناقد الأمريكي المصري إيهاب حسن "الخروج من مصر"، والتي خصصها لنشأته في مصر حتى أربعينيات القرن الماضي، وقبل رحيله النهائي إلى الولايات المتحدة وإقامته هناك حتى ثمانينيات القرن نفسه.

    سوف أؤجل هذا مؤقتا بسبب الجدل والانقسام الذي ثار الأسبوع الماضي عقب فوز كتاب "المولودة" لنادية كامل بـ"جائزة مؤسسة ساويرس للرواية" هذا العام، وتركز الخلاف حول عدم جواز منحها؛ لأن الرواية مكتوبة بالعامية وليس بالفصحى، وباعتبار أن الجائزة مخصصة للأعمال الروائية المكتوبة بالفصحى.

    فيما يتعلق بهذه النقطة الشكلية الأخيرة فليس هناك ما يمنع لائحيًا حصول عمل مكتوب بالعامية على الجائزة، والأهم أن المشكلة ليست مطلقا في الفصحى والعامية، بل في العمل المكتوب بكامله، واللغة هنا لا يتم التعامل معها بوصفها عامية أم فصحى، بل هل هي لغة فنية وجمالية أم ليست كذلك؟

    كيف إذًا نتعامل مع تراثنا الشعري المكتوب بالعامية؟

    كيف نتعامل مع أشعار بيرم التونسي على سبيل المثال، ناهيك عن فؤاد حداد وصلاح جاهين والأبنودي وسيد حجاب وأحمد فؤاد نجم وغيرهم وغيرهم من عشرات الشعراء الذين لعبوا دورا بالغ الأهمية في صياغة وجداننا ومشاعرنا؟

    أود أن أذكر هنا مثلين ساطعين للكتابة بالعامية. الأول هو روايةٌ "قنطرة الذي كفر" للدكتور مصطفى مشرفة الصادرة في أربعينيات القرن الماضي، وهي أحد أرق الأعمال الروائية وأكثرها تأثيرا على الرغم من حجمها الصغير، ما زلت أعتبرها من أهم الأعمال التي تناولت ثورة 1919 .

    العمل الثاني هو "مذكرات طالب بعثة" للدكتور لويس عوض وهي مذكرات عن بعثته إلى إنجلترا عشية الحرب العالمية الثانية اختار عوض كتابتها بالعامية.

    لا يمكن القول بأن أحدا منهما، أي الدكتور مشّرفة أو الدكتور عوض لم يكن يجيد الفصحى مثلا فاضطر للكتابة بالعامية. ولما كان مثل هذا الفرض مستحيلا، فالمؤكد أن كليهما اختار الكتابة بالعامية، ورأي أنها الأقدر على التعبير عن مشاعره وأفكاره.

    "المولودة" حكاية ترويها الأم ماري روزنتال المولودة لأب مصري يهودي وأم إيطالية مسيحية، ترويها لابنتها المخرجة نادية كامل على مدى أكثر من خمسمائة صفحة من القطع الكبير.. وقائع حياتها وارتباطها بالتنظيمات اليسارية ودخولها السجن عدة مرات سواء في العهد الملكي أو الناصري، ثم زواجها من الكاتب والصحفي الكبير الراحل سعد كامل، ولا تتوقف تلك المذكرات التي يمكن اعتبارها لوحة جدارية ضخمة تهز المشاعر وتفتن القلب من فرط صدقها وحساسيتها، لا تتوقف إلا عشية الثورة في 25 يناير، فيشعر القارئ أن الأحداث الواردة في الجدارية هي المقدمة الحقيقية لما جرى في الثورة.

    كتابة المولودة بالعامية هي اختيار في رأيي. وفي رأيي أيضا أن الصدق الذي يشعر به القارئ عبر كل صفحة فرض الكتابة بالعامية. صاحبة المذكرات هي ابنة الجاليات الأوروبية التي عاشت في مصر حتى ما بعد منتصف القرن الماضي بقليل، وكان أهلها ومن في محيطها يتحدثون الإيطالية أو الفرنسية وكذلك دراستها والأعمال التي التحقت بها.. كل هذا حكته الأم لابنتها، والابنة صاغت باللغة الأقرب للأم ومن هنا شعر القارئ بالصدق والاستجابة.

    وأخيرا فإن المعيار أو الفيصل في الكتابة بالعامية أو الفصحى هو الفيصل والمعايير ذاتها التي تستخدم في تحليل وقراءة أي عمل أدبي، وهناك عشرات ومئات الأعمال المكتوبة بالفصحى السليمة، إلا أنها أعمالٌ رديئةٌ.

    إعلان

    إعلان

    إعلان