تاكسي المطار

د. جمال عبد الجواد

تاكسي المطار

د. جمال عبد الجواد
09:00 م الجمعة 01 فبراير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في مصر ألغاز يصعب فك شفرتها وحل غموضها، ومن بينها الألغاز المتعلقة بانتظار السيارات والتاكسيات في مطار القاهرة. في كل مطارات العالم يمكنك استخدام الأوتوبيس أو المترو من المطار للمدينة، لكن هذا ليس اختيارا متاحا في القاهرة لأسباب سيكولوجية وثقافية أكثر من أي شيء آخر، فالأجانب في مواصلاتنا العامة يتحولون إلى فرجة وضحية للتحرش، أما أهل البلد العائدين من السفر فعليهم التصرف بأريحية، وعدم استخسار دفع أجرة التاكسي بعد ان دفعوا الآلاف ثمنا لتذكرة الطائرة.

دعك من المواصلات العامة فهذه قصة شرحها يطول في القاهرة كلها وليس في المطار فقط، فماذا عن التاكسيات؟ في كل مطارات العالم تقف التاكسيات صفا واحدا في مكان محدد بالقرب من بوابة الخروج من مبنى المطار، فيما يقف المسافرون في طابور، ليقفز المسافر الذي يحل دوره في السيارة التي يحل دورها، هكذا ببساطة بلا كلام كتير أو مفاوضات؛ أما بالنسبة لنا في القاهرة فإن مشهدا كهذا ينتمي لعصر الفضاء بينما مازلنا نعيش في عصر الحنطور. مع ظهور أوبر وكريم وأمثالهم من الشركات خصصت مطارات العالم منطقة محددة يتقابل فيها الركاب مع قائدي السيارات، وهذا أيضا لا تجده في القاهرة، فإذا كنت في المطار وطلبت أوبر أو كريم فسوف يضيع الكثير من الوقت قبل أن يتمكن السائق المسكين من الوصول إليك.

ما يحدث في مطار القاهرة هو مزيج من السرقة والشحاتة والاستغلال والاستهبال؛ ففي طريقك للخروج من مبنى المطار يقترب إليك بعضهم في خبث وبصوت منخفض، وكأنه يروج لمخدرات ممنوعة؛ شاكرا الله على سلامة وصول سيادتك مصحوبة ببعض الدعاء، و كأنه يشحت منك، لكنه في الحقيقة يعرض عليك خدمات التاكسي.

لا توجد أي قواعد لتحديد الأسعار التي يطلبها هؤلاء، فكل واحد وشطارته، وكل راكب وحظه. تستسلم لواحد من هؤلاء، فتجده يقودك إلى ركن مظلم في ساحة الانتظار المضروبة بالفوضى، فيدق على زجاج سيارة تركن في الظلام لإيقاظ السائق النائم بداخلها، وطبعا لا توجد طريقة لتعرف ما إذا كانت هذه السيارة مرخصة للاستخدام كتاكسي، أم أن الأمر كله اشتغالات غير رسمية لناس بتلقط رزقها على حسابك وحساب التاكسيات المرخصة وحساب الدولة.

مصر للطيران في حالة تقدم ملحوظ، وخدمات المطار من الداخل لا بأس بها، لكن ساحات انتظار السيارات حالتها مخجلة، خاصة فيما يسمى "المطار الجديد"، أو مبني الركاب 2 ومبنى الركاب 3 بلغة أهل المطار. لو ركنت سيارتك في ساحة الانتظار الكبيرة التابعة لمبنى الركاب رقم 1 أو 3 فعليك أن تتذكر جيدا أين تركت السيارة لأنه لا يوجد أرقام أو حروف تساعدك على ذلك؛ أما مبنى الركاب 2 فإنه تقريبا بلا ساحة انتظار، حيت تتزاحم السيارات في مساحة ضيقة وبمحاذاة الرصيف القريب. لو كنت في استقبال أحد المسافرين في مبنى الركاب 2 و 3 فرحلة الوصول بالحقائب المحمولة على تروللي النقل الصغير لمكان سيارتك فيها مخاطر كبيرة، فالمسارات الممهدة غير متاحة، وقد ينقلب التروللي وما عليه من حقائب أثناء محاولتك إنزاله من فوق الرصيف إلى حيث تنتظر السيارات, وطبعا لو كان الضيف الذي جئت لاستقباله من الأجانب فستضطر للاعتذار له عن البداية غير السعيدة لرحلته إلى بلدنا.
قد تبدو هذه الأمور بسيطة، ويبدو الكلام والكتابة عنها من قبيل الانشغال بصغائر الأمور، غير أن هذا ليس هو رأي القادمين من الخارج من بلاد ينظم فيها الناس شؤون حياتهم بدقة، فيجد نفسه مضطرا للمقارنة بين ما تركه خلفه في البلد البعيد، وما يجده في بلدنا، فتتأكد الصورة الذهنية الشائعة عن أن بلاد برة أحسن من بلاد جوة، وهي مقارنة كثيرا ما نظلم فيها بلاد جوة وفيها الكثير من الاشياء الرائعة التي لا نلاحظها ولا نعطها حق قدرها بسبب العكننة التي تتسبب فيها أشياء بسيطة من نوع التاكسيات وساحات الانتظار.

إعلان

إعلان

إعلان