شكل الاقتصاد والأمن في العالم عام ٢٠١٩

د. غادة موسى

شكل الاقتصاد والأمن في العالم عام ٢٠١٩

د. غادة موسى
09:00 م السبت 12 يناير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ينعقد، خلال الربع الأول من عام ٢٠١٩، حدثان مهمّان، وهما المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، نهاية شهر يناير ٢٠١٩، ثم مؤتمر ميونخ للأمن، خلال شهر فبراير ٢٠١٩.

وما يميز الحدثين أنهما سنويّان، أي من الأحداث المستدامة. وتلك الاستدامة تمكّن الخبراء والمعنيين والجمهور من الوقوف على التطورات في الاقتصاد العالمي من جهة، والتحولات الأمنية من جهة أخرى.

والاثنان مرتبطان، وحلقة الوصل هي التطور التكنولوجي؛ إذ أصبح كل ما يهدد الأمن يهدد الاقتصاد، وكل ما يهدد الاقتصاد يهدد الأمن بمفهومه الشامل.

ونحن كدول عالم آخذة في النمو لا بد أن يكون لدينا الوعي بما ينتظرنا، وكيف سنتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والأمنية المتسارعة.

كما علينا التفكير في كيفية البقاء في ظل عالم يسعى بدوره للبقاء حتى وإن تحقق ذلك على حساب الدول والشعوب الأخرى. إن قوة وشراسة التحولات يجب- على الأقل- أن تجعلنا منتبهين ويقظين.

إن وجود الدول العربية وجانب كبير من الدول الأفريقية كمشاركين أو متحدثين في الحدثين الكبيرين المشار إليهما- يكاد يكون غير مرئي، وكأننا سراب في هذا العالم. وهذا ينطبق بدوره على مشاركة مصر في الحدثين طوال الأعوام الماضية. ولا أقصد المشاركة الرسمية البروتوكولية التي تقتصر على ممثلي الحكومات في دول العالم الآخذة في النمو، وإنما مشاركة الخبراء والمثقفين والمبتكرين وأصحاب الرأي.

لقد شهد الاقتصاد العالمي في نهاية ٢٠١٨ نموًا منخفضًا. فإذا كان الاقتصاد الأمريكي شهد تحسنًا في معدلات النمو والتشغيل بسبب بعض المحفزات المالية، نلحظ أن معدلات النمو في الاقتصاد الصيني والياباني والمجموعة الأوروبية في انخفاض. وهناك تحسب أن يستمر معدل النمو في الاقتصاد العالمي في الانخفاض ليصل إلى ٣.١٪ بنهاية ٢٠١٩.

وهذا يعود إلى التراجع في حركة التجارة الدولية التي من المتوقع أن تنخفض بصورة كبيرة بسبب الصراعات التجارية، وأشهرها بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، تليها أزمة "البريكسيت" بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وقرب نهاية فترة ولاية المستشارة الألمانية "إنجيلا ميركل" فضلا عن النزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تشكل بدورها تهديداً كبيراً لحركة التجارة الدولية. وجميع ما سبق لا يشكل حافزاً لتطور مناخ الأعمال، كما يجعله غير مُوَاتٍ.

وفيما يتعلق بالأسواق البازغة أو القادمة بقوة في كل من البرازيل والهند وروسيا، فقد شهدت نموًا طفيفًا، خلال عام ٢٠١٨، في حين تراجعت معدلات النمو الاقتصادي في كل من تركيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا، بسبب الضغوط المالية والركود. وقد أسهم فيما سبق مناخٌ سياسيٌ يتسم بعدم اليقين، خاصة في البرازيل.

ومما يرجح استمرار تراجع معدلات نمو الاقتصاد العالمي تلك التقلبات التي تشهدها أسواق السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الوقود، أي النفط بشكل رئيسي؛ حيث يتوقع خبراء اقتصاديون أن يكون سعر برميل النفط هذا العام بين ٧٠ و٧١ دولارًا.

كما يثور تساؤل حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية المناخ دون التأثير في معدلات النمو الاقتصادي العالمي.. وهنا قد يتدخل العامل التكنولوجي لحل تلك الإشكالية مع تحقيق خسائر في جانب التشغيل وخفض معدلات البطالة التي وصلت في فرنسا- على سبيل المثال- إلى ١٦٪ عام ٢٠١٨.

ولنا أن نتساءل: كيف يمكن أن نستفيد من التطور التكنولوجي دون تدميرٍ لفرص العمل والتشغيل، خاصة إن الكثير من الوظائف والأعمال التي ستوجد في ٢٠٣٠ ما زالت غير معلومة؟!

وعلى الجانب الآخر فإن وظائفَ وأعمالًا عديدة كان يقوم بها الإنسان- حل محلها الذكاء الاصطناعي، مثل أداء بعض العمليات الجراحية والتصنيع والخدمات.

وجميعها تطورات ستغير في دور الحكومات والدول والأعمال، وستجعل الأفراد في حالة من عدم اليقين والأمن بسبب اختفاء بعض الوظائف.

كما ستثور إشكاليات أخرى ذات طبيعة (اقتصادية- أمنية) في الدول الأكثر نموًا، وبصفة خاصة في المجتمعات الأوروبية التي تعاني من ارتفاع نسب كبار السن، في ذات الوقت زيادة المد السياسي القومي الشعبوي المناهض للمهاجرين الأصغر سنا، أصحاب الثقافات غير الأوروبية.

ومما لا شك فيه أن معدلات النمو الاقتصادي ستتراجع في حالة تمكّن المد القومي الشعبوي من الأجندات السياسية. وقد يكون التوسع في استخدامات الذكاء الاصطناعي إحدى الاستراتيجيات؛ للحيلولة دون الاستعانة بأيدٍ عاملة من المهاجرين.

إن جميع ما سبق يحمل أوجهًا (اقتصاديةً- أمنيةً) حتى أصبح ممكنا أن نطلق عليه اقتصاد الأمن وأمن الاقتصاد. وإشكاليات غياب العدالة بين دول الشمال ودول الجنوب في توزيع عوائد النمو والثروة.
ويخطئ من يعتقد أننا بمأمن أو نعيش في عزلة عن التحولات الاقتصادية والأمنية العالمية، حتى وإن لم نُسهم فيها.

وإدارة مخاطر هذه التحولات التي ستطال دولنا النامية قد تكون خطوة أولى على طريق تخفيف وطأة الصدمة، وكذلك البحث في كيفية حل إشكالياتها، إن لم نقل كيفية المساهمة في المساعدة على حلها على دوليًا.

فماذا نحن فاعلون؟! وكيف سنحمي أنفسنا.. ووجودنا.. واقتصاداتنا؟!

إعلان

إعلان

إعلان