العبقرية الزائفة!

العبقرية الزائفة!

د. ياسر ثابت
07:01 م الثلاثاء 04 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

أدهشني ما قامت به إحدى الصحف أخيرًا من إفراد ملف على امتداد ثلاث صفحات، تحت عنوان "عباقرة الجامعات"، يتكلم عن مجموعة من الشباب عباقرة الجامعات، يقولون إنهم اخترعوا علاجًا للإيدز وطرقًا للكشف عن السرطان وعلاجه وحلولًا لأزمات الطاقة بتوليد كهرباء من الضغط تحت الماء!

الغريب أن الملف نفسه يعترف أن الطلاب أخفقوا في تطبيق أفكارهم "بسبب ضعف الإمكانيات"، مع أن أبحاثهم أصلًا كلها في المجال التطبيقي. إن هذا الشباب المحبط الذي يملك الحلم ولكنه غير قادر على تحقيقه قد يتحول إلى أداة للهدم وليس البناء، إن ضل الطريق إلى التفكير العلمي والبحثي السليم.

تجربة في منتهى البؤس، ونموذج محزن لغياب التفكير العلمي بقواعده وضوابطه الصحيحة في مصر.

المؤسف أن مصر في السنوات الأخيرة شهدت موجة غريبة من المخترعين، ممن يزعمون عبر وسائل الإعلام، وأحيانًا في مؤتمرات ومنتديات عامة، وفي حضور كبار الشخصيات ورجالات الدولة- اختراعات طنانة ومدوية، ولا تخلو في معظمها من طرافة وإثارة للسخرية.

فهذا أحدهم يقول إنه ابتكر سيارة تسير بالماء، بدلاً من البنزين، وآخر يقول إنه استخدم تكنولوجيا النانو في بناء محطات شمسية، إلى ذلك من الأقوال المرسلة والتصريحات المغلوطة والادعاءات التي تثير ضجيجًا لا طائل من ورائه.

ومما يدعو إلى الأسى أن ادعاءاتهم تكبر، وتتضخم في ظل غياب العلماء والباحثين والجهات المسؤولة، ممن يتصدون بعقلانية واحترافية وأسلوب علمي منضبط لمثل هذه الترهات.

يقول الدكتور فؤاد زكريا في كتابه الرائد "التفكير العلمي" (١٩٧٨): "لقد سبق لكاتب السطور أن دعا مراراً إلى أن نحمى الأجيال الجديدة من أبنائنا- إن كنا يائسين من الأجيال القديمة- عن طريق إدخال المبادئ الأولية للتفكير العلمي بطريقة شديدة التبسيط، في برامجنا التعليمية، بحيث ينتبه النشء منذ صغره إلى خطورة المظاهر التي يراها في المجتمع المحيط به للخرافة والسلطة المتطرفة وكراهية العقل".. وها أنا ذا أنتهز هذه الفرصة لأعيد ترديد هذه الدعوة، آملاً أن يتأثر بكلماتي هذه مسؤول ذو نفوذ، ومُتمنياً أن يكون هذا المسؤول من الاستنارة، بحيث يدرك أهمية الموضوع الذي أدعو إليه- وهي أمنية أرجو ألا تكون عزيزة المنال".

إننا مطالبون أكثر من أي وقتٍ مضى بالالتزام بالطرق العلمية المنطقية أو الأساليب العلمية التجريبية، مع إمكانية اختبار أي "اختراع" بشكل موثوق ومستقل.

أما الادعاءات غير المُحددة والتي تفتقر إلى المعايير العلمية، فنحن بحاجة إلى ترشيدها، إن لم يكن التصدي لها، حتى لا يصبح البحث العلمي في مصر في مهب الريح.

إعلان

إعلان

إعلان