ليس معصومًا عن الخطأ

ليس معصومًا عن الخطأ

د. أحمد عمر
07:00 م الخميس 09 أغسطس 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مع تقديري التام لتاريخ السفير معصوم مرزوق، كأحد ضباط الجيش المصري في حرب أكتوبر المجيدة، وكأحد العاملين السابقين بوزارة الخارجية المصرية، فإن ذلك لا يعني أنه وقد بلغ السبعين من عمره قد صار معصومًا عن الخطأ في الرؤية السياسية، وسوء التقدير والحكم على واقع الحياة في مصر.

وقد تجلى هذا الخطأ على أوضح ما يكون في مبادرته الأخيرة، التي أعلنها بوصفها خارطة الطريق لإنهاء أزمة مصر – كما يراها هو بالطبع - متضمنة 9 بنود موجهة إلى الحكام والمحكومين في مصر، تبدأ بالدعوة لإجراء استفتاء شعبي عام وفقًا للمادة 157 من الدستور للإجابة عن سؤال واحد: هل تقبل استمرار نظام الحكم الحالي في الحكم؟

وتنتهي في حالة رفض نظام الرئيس السيسي لإجراء هذا الاستفتاء- وهذا مؤكد بالطبع - بالدعوة لعقد مؤتمر شعبي في ميدان التحرير، وذلك من بعد صلاة الجمعة يوم 31 أغسطس 2018. بما تتضمنه تلك الدعوة من استدعاء للحظة 25 يناير 2011، وبداية الثورة الشعبية على نظام حكم الرئيس السيسي، كما صورت له مخيلته.

وأظن أن مبادرة السفير معصوم التي شابها سوء الرؤية والتقدير، قد نتجت في منظوري الشخصي عن أمرين لا ثالث لهما:

الأمر الأول: سذاجة سياسية ورومانسية ثورية، تجاوزهما الواقع المصري، ولن يغيرا في واقع ومجرى الأحداث في مصر، وموازين القوى فيها.

الأمر الثاني: سوء نية ورغبة في ضرب الشرعية الأخلاقية لنظام الحكم الحالي، مع إعطاء جماعة الإخوان وإعلامها فرصة للصيد في الماء العكر، وتصوير الوضع في مصر - كعادتهم - على غير حقيقته، وهذا أيضًا لن يغير في الواقع شيئًا.

والمبادرة هي في نهاية الأمر، مجرد أحلام يقظة وأوهام خاصة بصاحبها، لا علاقة لها بالواقع، وهي عاجزة عن التأثير والتغيير فيه. وأظن أن الرابح الأكبر من تلك المبادرة هي جماعة الإخوان المسلمين، ويتأكد لنا هذا من احتفائهم الكبير بالمبادرة وصاحبها. والخاسر الأكبر منها هو السفير معصوم ذاته؛ لأن المبادرة، وتسويقه لها عبر قنوات الإخوان، قد كشفت عن قصور في رؤيته وتفكيره، وخلل في وعيه السياسي وانحيازاته وخياراته.

أما من يقول بأن الرجل لم يخطئ في طرحه ودعوته، ويكفيه أن ألقى حجرًا في مياه الحياة السياسية الراكدة في مصر، فيغيب عنه أن الرجل لم يلقِ حجرًا في الماء الراكد، ولكنه أعطى خصوم الدولة وأعداءها في الداخل والخارج، أداة لاستهدافها وضرب إنجازاتها من أجل إعادة بناء الدولة، كما أعطاهم فرصة للتدخل في شئونها الداخلية، وتصوير الوضع في مصر على غير حقيقته، وكأنها على شفا ثورة شعبية.

وقد غاب عن السفير معصوم ومن يؤيد مبادرته، أن الدعوة لخروج الجماهير مرة أخرى إلى الشارع هى حماقة كبيرة، تفتقد للوعي السياسي والتاريخي والقدرة على الاستفادة من أحداث السبع سنوات الأخيرة في مصر والمنطقة العربية، بعد تجربة ما أُطلق عليه الربيع العربي، الذي انتهى إلى خراب وحرب أهلية هددت أمن واستقرار الكثير من الدول العربية، ووحدة أراضيها، كما حدث في ليبيا واليمن وسوريا، ونجونا منه - والحمد لله - في مصر، بفضل قوة الجهاز المناعي الوطني والحضاري للمصريين، ووطنية ورسوخ ووحدة المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة السيادية.

ولهذا فقد ترسخ في وعي الجماهير العربية عامة، والمصرية خاصة، أن الثورات الشعبية في زمن تقدم عمل أجهزة المخابرات الدولية، وامتداد نفوذها وسيطرتها، وسرعة تدخلها وتأثيرها أصبحت مثل "حصان طروادة" أداة لهدم الدول من الداخل. وقد أدركت الشعوب العربية تلك الحقيقة قبل الكثير من أبناء النخبة السياسية والثقافية، وأعلنت بلسان حالها ومقالها فشل ونهاية خيار الثورات الشعبية، والإيمان بالدولة ومؤسساتها كطوق نجاة أخير وحصن أمان للشعوب مهما كانت صعوبة الحياة.

إعلان

إعلان

إعلان