• "بي إن" و"أم سميحة" و"الأستاذ محيي"

    "بي إن" و"أم سميحة" و"الأستاذ محيي"

    د. جمال عبد الجواد
    08:58 م الجمعة 13 يوليه 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    تجمعنا في بيت الصديق محمد الشبة لمشاهدة مباراة مصر وأورجواي. كنا كثيرين، وكان على محمد الشبة وأسرته تحمل عبء استضافتنا، فالشبة هو الوحيد بيننا الذي يتمتع بوضع مميز باشتراك أصلي في قناة "بي إن سبورت" يستقبل من خلاله مباريات كأس العالم، وليس مثل القنوات المفتوحة المضروبة التي خدعونا بها.

    الفرجة على تليفزيون محمد الشبة عادت بي أكثر من خمسين عاما إلى الوراء، عندما دخل التليفزيون بيت جارتنا أم سميحة في بداية الستينيات. كان التليفزيون وقتها بدعة من بدائع الزمن، وكانت أسرة أم سميحة هى أول من اشترى تليفزيونا بين الجيران. كنا نتجمع في بيت جارتنا الشابة للفرجة على التليفزيون. لم تكن التقاليد تسمح سوى للنساء والأطفال بالتطفل على تليفزيون أم سميحة. كان الجيران المقربون يأتون لمشاهدة المسلسل اليومي، فكانت زيارة أم سميحة وقت المسلسل فقرة ثابتة في البرنامج اليومي لبعض الجيران.

    فيلم السهرة العربي يوم الخميس كان هو الحدث الأسبوعي الأهم الذي يحرص على حضوره العدد الأكبر من الجيران. كان المكان يزدحم، وكان هناك نظام وترتيب للجلوس، الأطفال على الأرض، أما الكبار فيجلسون على الكنبات المرصوصة بحذاء الحيطان الثلاثة المقابلة للتليفزيون. الشابات من الجارات، تتمتعن بمعاملة تفضيلية، فهن الصديقات المقربات، وهن الأقرب سنا للجارة الشابة. لكن حالة من عدم الارتياح كانت تعم المكان عندما يصل عم مصطفى، زوج الست أم سميحة. كان الرجل يعود من عمله متأخرا، وكان فيلم يوم الخميس العربي هو أيضا يأتي متأخرا.

    لم يكن لأم سميحة أن تتذمر، فقد كانت هي البادئة بالإلحاح في توجيه الدعوة للجيران لمشاركتها الفرجة، تأكيدا للمكانة التي منحها لها التليفزيون، واستمتاعا باحتلالها موقعا مركزيا في تفاعلات الجيران، وتغلبا على الشعور بالوحدة والنقصان الذي يصيب الإنسان عندما تمر اللحظات المهمة في حياته دون شهود للحدث الجلل.

    لم ينقذ أم سميحة وعم مصطفى إلا الأستاذ محيي، مندوب جهاز الإعلام الثوري في الحي. كان الأستاذ محيي يسكن في الجوار، وكان يعمل موظفا في هيئة الاستعلامات أو وزارة الإرشاد القومي، أو شيء من هذا القبيل. عاش الأستاذ محيي بمفرده في شقة في الدور الخامس، وكانت كميات هائلة من المطبوعات التي تنتجها أجهزة الإرشاد القومي والتربية الوطنية تنتهي في شقة الأستاذ محيي. كان هناك صور للزعيم بمفرده وبصحبة الرئيس تيتو، ومطبوعات عن السد العالي والإصلاح الزراعي والنهضة الصناعية وتأميم القناة وفلسطين، والمستقبل الرائع الذي ينتظرنا.

    تولى الأستاذ محيي توزيع هذه المطبوعات على أهل الحي، وكان يتبع في ذلك طريقة مبتكرة. كان الأستاذ محيي يقف في بلكونة شقته في الدور الخامس، ثم يقوم بإلقاء المطبوعات على دفعات للجماهير المنتظرة تحت البلكونة، والذين كانوا بدورهم يتدافعون للفوز بواحدة من هدايا الأستاذ محيي في فوضى تتناسب والزخم الثوري. كانت الجماهير تقف مترقبة في سكون ظهور الأستاذ محيي في البلكونة، وعندما يلقي الأستاذ بدفعة جديدة من المطبوعات، كانت الكتلة الشعبية تتحرك في اتجاه النقاط التي يتوقع للمطبوعات أن تهبط فيها؛ ومع تغير اتجاه الريح، والتصرفات المخادعة للأوراق الهابطة من الدور الخامس، كانت اتجاهات الحركة الشعبية تتغير، لتأخذ في النهاية شكل عدة أكوام من اللحم البشري، وقد تكأكأ كل منها على صورة الزعيم التي حطت أخيرا على الأرض.

    لم يكن الأمر يخلو من تشويق، فدفعات الأستاذ محيي كانت أحيانا تتوالى في سرعة وانتظام، فيما كانت الفواصل الزمنية بينها تتباعد في أحيان أخرى. لم تكن الجماهير تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذا التعطيل، فكانت ترفع عقيرتها لتستحث ساكن الدور العالي لإلقاء دفعة جديدة، فكان هتافها الهادر يعلو: محيي.. محيي. لم يكن من عادة الأستاذ محيي إعلان انتهاء العرض بعد إلقاء آخر دفعة من هداياه، فقد كان يفضل ترك الجماهير تنتظر في ترقب، لتنصرف في النهاية عندما يغلبها اليأس.

    تطورت أساليب الدعاية الثورية، وتم تزويد الأستاذ محيي بجهاز تليفزيون، مصحوبا بكشك خشبي، له شباك مرتفع. تم تثبيت الكشك الخشبي، وبداخله التليفزيون، في الساحة الواسعة التي تطل عليها بلكونة الأستاذ محيي. في الخامسة، ومع بدء ساعات الإرسال التليفزيوني، ينفتح الشباك العالي، ليظهر التليفزيون، فيصطف الناس، أقصد يتزاحمون، لمشاهدة عجائب الصندوق الصغير. أخيرا أصبحت الجماهير قادرة على رؤية الزعيم يمشي ويتحرك، بعد أن كانت تراه ساكنا في صور الأستاذ محيي.

    كان من الصعب جدا متابعة ما يجري في تليفزيون الأستاذ محيي، فالتليفزيون بعيد جدا ما لم تكن واقفا في الصف الأمامي، وطوال القامة يحجبون الرؤية عن الصغار والقصار الواقفين في الخلف، والجماهير لا تكف عن الزعيق والخناق، فلا يمكنك أن تسمع أي شيء. بصراحة، لولا تبرم عم مصطفى، فإن الفرجة على التليفزيون عند أم سميحة كانت أفضل بكثير.
    انتشرت التليفزيونات في البيوت، وارتاح عم مصطفى من سماجة الجيران عديمي الإحساس، وافتقدت أم سميحة اللمة والمكانة. بعد الحرب تحولت الساحة الواسعة أسفل بلكونة الأستاذ محيي إلى مخبأ – لم يجر استخدامه ولا مرة – لحماية المدنيين من غارات العدو. قبل أن يحل السلام كان مسجد كبير قد أخذ مكان المخبأ. علمنا أن الأستاذ محيي مات وحيدا في شقته، وأن الجيران لم يعلموا بالخبر إلا بعد أن فاحت الرائحة. مرت سنون كثيرة، وظننت أنني نسيت هذه الذكريات، حتى جاءت "بي إن سبورت" لتعيدني إلى الزمن الجميل، زمن الفرجة على التليفزيون عند الجيران.

    إعلان

    إعلان

    إعلان