مخاطر انتشار "قواعد الاستطلاع" في الشرق الأوسط

مخاطر انتشار "قواعد الاستطلاع" في الشرق الأوسط

محمد جمعة
07:00 م الثلاثاء 08 مايو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

من المثير للانتباه أن القوى الإقليمية المتنافسة أو المتصارعة في منطقة الشرق الأوسط، لا تتقاطع –في معظمها- مع بعضها البعض في حدود مشتركة...ولهذا غالباً ما تشتعل المنافسة بينها بشكل غير مباشر، وداخل أراضي بلدان ثالثة.

حتى في الحالات النادرة التي تتقارب فيها حدود القوى الإقليمية المتصارعة مع بعضها البعض (على سبيل المثال: إيران وتركيا - والحد البحري بين المملكة العربية السعودية وإيران) فإن المنطقة الحدودية نفسها ليست (على الأقل حتى الآن) محورا للمنافسة، وتتركز المعركة في أراضٍ لدول ثالثة.

أضف إلى ذلك، أنه حتى عندما تتدخل قوة إقليمية (من القوى المتصارعة) في إقليم بلد مجاور، فالملاحظ هنا أن هذا التدخل لا يقع بالضرورة في المناطق الحدودية، بل غالبًا ما يكون في داخل عمق البلد المتاخم (على سبيل المثال: التدخل الإيراني في قلب العراق -أو الدعم السعودي للأقليات العرقية في عمق إيران).

لقد برزت، في السنوات القليلة الماضية، اتجاهات ثلاثة في سياق محاولات القوى الإقليمية المتصارعة، لتعزيز قوتها، بل واستعراض تلك القوة في مواجهة المنافسين الآخرين. هذه الاتجاهات الثلاثة هى:

أولاً -الحصول على أنظمة أسلحة تمكن من الوصول بعيد المدى. وهناك أمثلة عديدة على ذلك لكن لا يسمح المجال هنا بالتفصيل فيها.

ثانيا: التوسع في استخدام "الوكلاء" من الفواعل من غير الدول.

ثالثا: أما الاتجاه الثالث فيتمثل في إقامة القواعد والمنصات العسكرية الاستكشافية في أراضي دول ثالثة.

هذا الاتجاه الثالث هو تحديدًا ما يلفت نظرنا هنا، كونه يعد تطورا جديدا في سياق التفاعلات بين القوى الإقليمية المتنافسة...ففي الماضي كانت القواعد الاستطلاعية تتأسس بشكل حصري تقريبا من قبل القوى العالمية في سياق الترتيبات الاستعمارية، أو التحالفات السياسية والأمنية أيام الحرب الباردة.

أما الآن فالمنطقة تشهد نمواً في ظاهرة تأسيس قوى شرق أوسطية لقواعد استكشافية في الإقليم ككل، ولكن بشكل خاص في شمال أفريقيا، ومنطقة القرن الإفريقي.

وتقوم هذه القوى بإنشاء تلك القواعد الاستكشافية في سياقين:

الأول: القواعد في البلدان التي يقع فيها قتال، أي القواعد التي تُمَكِن القوات العسكرية من الوصول إلى مناطق القتال...على سبيل المثال، بعض القواعد الإيرانية في سوريا.

الثاني: هو القواعد في مناطق الدول التي لا تحدث فيها أية حروب، ولكن يمكن الوصول من خلالها إلى المسارح البعيدة، وبالتالي تمكن من القدرة على استعراض القوة على دول أخرى.. مثل القاعدة التركية في قطر.

وهنا يمكننا الإشارة إلى أن دوافع البلدان المضيفة تختلف: بين الاعتبارات الاستراتيجية (كما هو الحال في قطر) والاعتبارات الاقتصادية (كما هو الحال في السودان).

أما القوة الإقليمية التي تقود اتجاه التحول من القتال "على الحدود" إلى لعبة يتم لعبها بطول وعرض الساحة الإقليمية ككل، فهي إيران التي تمتلك عددا من القواعد في سوريا (بما في ذلك بالقرب من حلب، في مطار دمشق الدولي، وفي القاعدة الجوية T-4 التي هاجمتها القوات الجوية الإسرائيلية). وهي الآن في طور الإعداد لإقامة قاعدة لميليشياتها الشيعية.

إضافة إلى ذلك، استخدمت إيران في السابق ميناءً بحريًا في بورسودان، ولديها قاعدة ملاصقة لميناء عصب في إريتريا (الذي تسيطر عليه الآن الإمارات العربية المتحدة)، وهي تسعي جاهدة للحصول على ميناء في اليمن وكذلك في سوريا.

أما بالنسبة للقوى الإقليمية الأخرى، فقد أنشأت المملكة العربية السعودية قاعدة في جيبوتي (قاعدة استضافت سابقاً قوات الإمارات العربية المتحدة)، بالقرب من مضيق باب المندب.

أيضا، الإمارات العربية المتحدة لديها قواعد في أرض الصومال (ميناء ومطار مستأجر لمدة ثلاثين سنة) وفي عصب في إريتريا. ويتم استخدام هذه القواعد الأفريقية لشن هجمات في اليمن.

ولدى الإمارات كذلك قواعد في اليمن نفسها، بما في ذلك جزيرة بريم اليمنية. كما تنفذ بعض الغارات الجوية من داخل ليبيا نفسها، حيث يتردد مؤخرا أنها بصدد تأسيس قاعدة جديدة هناك.

تلك القواعد هي بالتأكيد تختلف كثيرا عن القواعد الأمريكية الكبيرة في المنطقة...فهي غالبا مجرد منشآت محدودة تتضمن مدارج أو أرصفة، وعدد من المباني، ومعدات لوجيستية.

من ناحية ثالثة، تمتلك تركيا، من دون التنسيق مع الحكومتين في بغداد ودمشق، عدداً من القواعد في شمال العراق وشمال سوريا، لتمكينها من الوصول إلى مناطق العمليات ضد الأكراد.

كما تمتلك تركيا قواعد في الصومال وفي قطر، حيث تشكل "قاعدة قطر" أحد أسباب الخلاف بين قطر ودول الخليج العربي. وفي ديسمبر 2017، وقعت تركيا اتفاقية مع السودان، حيث ستتمكن بمقتضاها من تعزيز تواجد عسكري لها في السودان ومياهها الإقليمية، بما في ذلك إنشاء قاعدة على جزيرة سواكن. وحاليًا تتفاوض تركيا أيضا على إنشاء قاعدة إضافية في جيبوتي.

وربما ساهم تأسيس القاعدة التركية في السودان في إثارة أزمة سياسية في علاقات الخرطوم بالقاهرة وأسمرا.

والخلاصة، أن جزءًا كبيرًا من تلك "القواعد الاستطلاعية" يقع على امتداد الطرق البحرية في الخليج وربما أكثر في البحر الأحمر. حيث تشكل هذه الممرات البحرية بؤرة تركيز كبيرة للقوات العسكرية للقوى الإقليمية.

بمعنى أن المزيد والمزيد من التشكيلات العسكرية باتت اليوم تقبض على ممرات الوصول الجنوبية لقناة السويس. وهذا المعطى الاستراتيجي الجديد ستظهر تهديداته الاستراتيجية لكل من الاقتصاد العالمي، ومصر في المدى المتوسط وليس البعيد.

إعلان

إعلان