• أحمد خالد.. بـ"التوفيق"!

    أحمد خالد.. بـ"التوفيق"!

    خيري حسن
    09:01 م السبت 07 أبريل 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    جلست بجواري.. عمرها تجاوز الأربعين عاماً، وعلى ملامحها أنقاض أحزان، وتحت جفنيها جسر من الدموع المعتقلة، وفي حلقها مرارةـ من خلال الكلمات البسيطة التي تحدثت بها- مدفونة في صحراء كلها رمال متحركة، كان ذلك في محطة مترو تسمى "المرج" شرق القاهرة. الساعة اقتربت من الحادية عشرة قبل منتصف الليل، والقطار الأخير أوشك على الوصول، أما أنا فكنت في طريق عودتي من عند صديق كان يسكن في نفس المكان؛ بالقرب من منطقة تسمى "الخصوص"، ذهبت إليه بعدما قرأت مذكرات الرئيس المصري الراحل محمد نجيب الذي اعتُقل لمدة 18 عاماً في مبنى- مازال قائماً- في هذه المنطقة، حتى أشاهد على الطبيعة ذلك المنفى المثير، الذي وُضِعَ فيه حينذاك. وبعدما انتهيت من رغبتي الجارفة في المرور أمامه عدة مرات محاولاً استيعاب قرار الرئيس جمال عبدالناصر وقيادات يوليو بأن يعتقلوه وهو قائدهم الأعلى، بعدما حمى حركة يوليو، وأصبح بعد نجاحها في الانقلاب على الملك فاروق أول رئيس لجمهورية مصر العربية. لقد ظل الرجل معتقلاً، ومقهوراً، ومذلولاً، لأنه طالب ذات يوم بالحرية!

    وبعدما انتهيت عدت لأستقل المترو عائداً إلى منزلي. وكان هذا ردي عليها عندما سألتني من أين جئت؟ وإلى أين ذاهب؟

    وقتها ظهرت على ملامحها ابتسامة ساخرة، وهي تردد: الحرية.. الحرية! رددتها بدهشة واستنكار، قلت: نعم ! ثم سألتها عن حكايتها؟ ولماذا تجلس في ذلك الوقت المتأخر من الليل هنا؟ ردت: عشت زوجة لرجل طيب، تزوجته وأخلصت له وهو كذلك، ورزقنا الله بطفلين، أصبحا الآن في طور الشباب. حياتي كانت هادئة، ورتيبة، ومملة، وعادية، تسير ببطء، ورغم ذلك عشتها راضيةً بنصيبي فيها. الزوج موظف بسيط يعمل في هيئة النقل العام في القطاع الإداري حتى الساعة الثالثة بعد الظهر، ثم ينتقل بسرعة إلى مكتب محامٍ بالقرب من محل عمله، للعمل ساعيًا يقدم إليه- وللزبائن- القهوة، مقابل جنيهات قليلة، نكمل بها مصاريف الشهر. ذات يوم ذهبت لزيارته في المكتب، فوقعت عيني على المحامي الذي يعمل زوجي لديه، سحرني بوسامته وشياكته، وكلامه الجميل الذي لا أسمعه بالطبع من زوجي. وتعددت اللقاءات حتى وعدني بالزواج؛ إذا طُلقت من زوجي. وبالفعل فعلت كل الوسائل حتى تحقق ذلك. وتركت الزوج ومعه الطفلان. وذهبت إلى الحب الذي ضرب أسوار قلبي وزلزل كياني. كنت أحبه بشدة وعنف، وكان هو يبحث فقط عن جسدي ومتعته الشهوانية. رفض الزواج الرسمي مني، وطالب بأن يكون زواجاً سرياً. وقتها صدمني، قتلني، أهانني، ضرب حبي في مقتل.

    رفضت وأصررت على ما اتفقنا عليه قبل طلاقي. رفض بشدة، وخيرني بين أمرين. إما أن نتزوج عرفياً أو سيطرد زوجي- أقصد طليقي- من عمله ويشرده هو والطفلين. في النهاية توصلت معه إلى أن ننهى علاقتنا بهدوء، وأنني سأختفي من حياته حتى لا يطرد زوجي السابق من العمل. وافق على مضض! قلت: وهل عرف زوجك السابق كل هذا؟ قالت ودموعها تسابق كلماتها: لا.. وهو من شهور سيصاب بالجنون بحثاَ عن سبب إصراري على الطلاق حتى وقع! قلت وإلى أين أنت ذاهبة الآن؟ قالت: في انتظار صديقتي التي أعيش معها في شقتها المتواضعة، حيث تعمل ممرضة في عيادة طبيب. وقبل أن تنتهي من كلامها، كان القطار المتجه إلى حلوان قد وصل للمحطة، فقامت مسرعة عندما أشارت لها صديقتها من الشباك، فصعدت وهي منكسرة وذليلة ويدها ترتعش من شدة البرد والخوف معاً. أما أنا فظللت مكاني أنظر للقطار حتى غاب في الظلام.

    بعد فترة من الزمن في عام 2007- وبالصدفة- كنت أجلس على مقهى بالقرب من مبنى ماسبيرو خلف فندق رمسيس هيلتون، في انتظار مخرج تليفزيوني صديق، وإذا بالكاتب الرقيق أحمد خالد توفيق (1962ـ 2018) قادم بخطوات هادئة، ووجهه مبتسم، ويبدو عليه الخجل والارتباك. قمت إليه مسرعاً وعرفته بنفسي، ودعوته لفنجان قهوة، نظر في ساعته ثم أغمض عينه اليسرى قليلاً، وألقى نظرة ناحية مبنى التليفزيون، ثم قال: يبدو أن أمامنا وقتاً مناسباً. اتفضل نحتسى فنجان الشاي معاً. وبعدما جلسنا. قال: كنت في طريقي لتسجيل حلقة تليفزيونية مع الإعلامية "رولا خرسا" في برنامجها الشهير بالتليفزيون المصري" القصة وما فيها". سألته: وما موضوع الحلقة؟ رد: عن أزمة منتصف العمر عند الرجل والمرأة. قالها وهو يبتسم. قلت له: لكنك يا أستاذ لم تصل لهذه المرحلة من العمر حتى تتحدث عنها؟ قال وهو يضحك: لكنني على أبوابها. ثم سكت قليلاً وأمسك بصحيفة كانت أمامي، وألقى نظرة على عناوينها البارزة، وقال: يبدو أن عمري لن يكون فيه منتصف، حتى تكون هناك أزمة في منتصفه. النادل الذي جاء ليقدم لنا كوباً من الماء نظر لنا بدهشة واستغراب موجهاً كلامه إلى أحمد خالد توفيق، قائلاً: من أي بلد جئت إلينا يا أستاذ يا جميل يا طيب أنت؟ رددت أنا عليه بدهشة: وهل تعرفه أصلاً؟ قال: لا! لكن الدنيا علمتني كيف أقرأ البشر وعلى المقعد الذي تجلس عليه أنت، جلس غيرك المئات، منهم الأشرار ومنهم الأخيار، الذين يعرفون من وجوههم الطيبة. نظر لي "توفيق" حتى ألتزم الصمت قليلاً ولا أتفوه بكلمة أخرى. وعاد يكمل كلامه مع النادل بهدوء ورد عليه، قائلاً: من مدينة طنطا. ابتسم النادل وهو يرد: "الله الله.. يا سيد يا بدوي".. كراماتك!! ثم قال وهو يتركنا عائداً إلى عمله: "منور القاهرة.. يا أبوقلب طيب.. ووجه مليح"! ابتسم "توفيق" في خجل وواصلنا حديثنا عن الحياة والشأن العام.

    وقتها شعرت بأنني أمام شخصية ليست عادية، فهو أديب ومثقف وكاتب متميز في الخيال العلمي والأدبي؛ لكنه قبل ذلك إنسان خلق من أجل الإنسانية، فهو يحب الفقر والفقراء، ويناصر البساطة والبسطاء، ويبحث عن السلام في الأرض. يبكيه منظر الدماء، ويمقت الظلم والظلمة والجبناء. ويستريح مع العدل والحرية والمساواة، وتفرحه ضحكة الطفل الوليد، وهو على كتف أمه ينظر للسماء، هذا ما خرجت به من حديثي معه. قلت له: بمناسبة حلقة منتصف العمر التي ستتحدث عنها اليوم في البرنامج، دعني أقص عليك حكاية امرأة التقيتها منذ فترة في محطة المترو. استمع لي باهتمام شديد، وهو ينظر لوجوه المارة أمامنا في الشارع وعلى المقهى، ثم قال: هذه المرأة بالطبع، مرت بأزمة منتصف العمر. ومن كلامك يبدو أنها، بسبب قهر المجتمع لها، واعتبار أن الحب- للأسف- جريمة بشعة يستحق من يفعلها الحرق في الميادين العامة، وتحت ضغط الظروف الاجتماعية الطاحنة والمؤلمة، تزوجت بصورة عائلية تقليدية متعارف عليها، طبقاً لتقاليد أغلب الأسر المصرية. فهي لم تحب، ولو كان قدر لها أن تحب لما استطاعت الزواج ممن أحبته، لأنه غالباً تركها- أو تركته- لضعف الإمكانيات المادية وعجزه عن الارتباط بها.

    لذلك عندما غازلها أول شخص التقت به، وداعب أحاسيسها، وحرك بداخلها مشاعر الرومانسية الدفينة في داخلها، وقعت فريسة له. وتركت بيتها وزوجها وأولادها وحياتها كلها من أجل هذا الحب. وتلك هي مشكلة أزمة منتصف العمر في مجتمعاتنا. قلت: وما علاج ذلك؟ قال: بالحب الصادق الحقيقي وبالصدق مع النفس وبالمشاعر النبيلة التي تبني ولا تهدم. جاء النادل مرة أخرى يحمل لنا القهوة. سألته وأنا أبتسم: هل أحببت يوماً؟ رد وهو يغني بابتسامة على وجهه، قائلاً: "حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه/ أنت عارف معنى الحب"، ثم تركنا وهو يقول: "يا أستاذ اللي زينا.. لو حبوا القيامة تقوم.. إحنا غلابة يا أستاذ.. والغلابة ملهمش في الحب"!

    نظرت إلى وجه "أحمد خالد توفيق" الذي تبدلت ملامحه، واكتست بالحزن، واغرورقت عيناه بدموع توشك على السقوط وهو ينظر نظرة تأمل حزينة ومؤلمة بسبب كلمات النادل، ثم استأذن في الانصراف وهو ينظر للساعة التي في يده، حتى يلحق بتسجيل البرنامج في الموعد المتفق عليه. وقبل أن يغادر سألني: هل عرفت باقي حكاية المرأة التي التقيت بها في المترو؟ قلت: للأسف لم أعرف إلى أين انتهت حكايتها. رد بصوت حزين، نبراته كلها ألم، قائلاً: حكايتها مثل حكاية "القهوجى" هذا الذي يقف أمامنا، ويواصل عمله بيأس، وأشار إليه بيده.. ثم قال: هؤلاء وغيرهم يجعلوننى- بصدق- لا أرغب كثيراً في مواصلة تلك الحياة، التي تُقهر فيها أحلامهم البسيطة، ويدهس فيها الحب على نواصي الطرقات أمام أعينهم الباكية، وتحاكم قلوبهم البريئة على مشاعرهم الصادقة، وكأنهم خلقوا من العدم، وهم والعدم سواء، فهل هذه حياة تستحق معاناة البقاء فيها، ثم تركني وبخطوات بطيئة، ذهب واحتضن النادل وسط دهشة رواد المقهى، وغادر المكان بهدوء، وعيني تراقبه وتنظر إليه من بعيد حتى اختفى بين زحام البشر.

    إعلان

    إعلان

    إعلان