إعلان

أبناؤنا فى أحضانِ الموت

أبناؤنا فى أحضانِ الموت

د. براءة جاسم
09:06 م الثلاثاء 24 أبريل 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كيف تنقذ إنسانًا من موت يسعى إليه؟! وماذا لو كان هذا الإنسان هو فلذة كبدك؟!

تعالَ أدُلّك كيفَ تُنقذُ نفسكَ مرتين.

حالةٌ من الذعرِ أصابتْ بعضَ المجتمعاتِ بسببِ ما يطلقُ عليهِ «لعبةُ الموت» أو «الحوتُ الأزرق»، وانهالت الفيديوهاتُ والمقالاتُ والتحليلاتُ والبرامجُ وغيرها من وسائلِ الإعلامِ تناقشُ وتحللُ أسبابَها ونتائجَها وتعرضُ الحالاتِ وتبينُ إحصاءاتِها. وبطبيعةِ الحالِ وكعادةِ أى ظاهرةٍ متفاقمةِ الخطورةِ تطفو على السطحِ من فترةٍ لأخرى، فهناكَ دائمًا المؤيدُ والمُعارضُ لمسألةِ الحديثِ عن ظواهرَ كهذه، إذْ نجدُ بعضَ الناسِ يؤيدُ ذلك من أجلِ نشرِ التوعيةِ الصحيحةِ وتجنبِ مخاطر سقوطِ مزيدٍ من الضحايا، وبعضًا آخرَ يعارضُ من بابِ أنّ قتلَ الظاهرةِ يكمُنُ فى إهمالِها، وبذلك لا يسمعُ عن هذه «الألعاب» من لمْ يسمعْ عنها فيقودُهُ فضولُه لتجربتِها.

على مدارِ سنواتٍ ماضية ليست بالقليلة عمِلتُ خلالها مع الأطفال والمراهقين والشباب، فى المدارس أو دور الأحداث أو السجون أو المستشفيات والعيادات، فقد كان من السهل- بعد فترةٍ من الخبرة- التنبؤُ بمسارِ حياةِ ذلك الطفلِ والطريق الذى سيسلكه إن لم تبادرْ أسرتُه-وهى المسؤولُ الأكبرُ والأول- بالتدخل لتقديمِ الدعم له فى مراحلَ حرجةٍ وخطيرةٍ حتى يتخطّاها بسلام.

وبحكم دراستى وعملى، فقد اطلعتُ على أمورٍ لا حصرَ لها تشكّلُ خطرًا على الصحةِ النفسية لهذه الفئة العمرية من الأطفال والمراهقين والشباب، وتهدّدُ حياتَهم، إلا أنّه قد لا يُسلطُ الضوءُ عليها بالشكلِ الكافى لأنها تتسلّلُ إليهِم بشكلٍ أقلُّ فجاجةً من لعبةِ «الحوت الأزرق».

خمسون فرصةً لاستردادِ ابنِكَ من الموت، خمسون يومًا بخمسينَ مرحلةٍ، وعددٍ كبيرٍ من الجروحِ نتيجةَ القطعِ بآلةٍ حادة، ووخزاتٍ بإبرةٍ يسبّبها اللاعبُ لنفسِه، سواءٌ فى جسده أو شفتيه أو يديه، إلخ... استيقاظٌ فى الساعةِ الرابعةِ صباحًا إمّا للصعودِ على سطحِ المنزلِ، وإمّا لمشاهدَةِ أفلامِ الرُّعبِ والقتلِ التى تُرسَل له، محادثاتٌ على Skype وامتناعٌ تام عن محادثةِ أحدٍ لمدة يومٍ كامل، وغيرُها من أمورٍ يصعُبُ تخيلُها فضلًا عن تنفيذِها. لا تقلق عزيزى القارئ، فلنْ أتسائلَ كيف لم تتنبّهوا -كأهل- لمثل تلكَ الأمورِ؛ إن الهدف من هذه المقالات هو التوعيةُ بالمشكلةِ ومحاولةُ إيجادِ الحلولِ لها.

ولعلك تكون مخطئًا إن اعتقدتَ بأن «الحوت الأزرق» كلُعبة هى الخطرُ الأكبر، أو أنها هى فقط ما يهددُ أبناءَك، ذلك أنّ الفرقَ بين هذه اللعبةِ- على سبيل المثال- وبين وغيرِها من المخاطرِ أن المنتحرينَ قد تركوا وراءهم دلائلَ مكّنت العالمَ من مَعرِفة ما حدث.

هل سمعتَ عن «منتدياتِ الموت» وما تقوم به؟! هل سمعتَ عن غيرها؟ هناك عددٌ مهولٌ من المنتدياتِ والمجموعاتِ الموجودة على شبكة الإنترنت، والتى يمكنُ لابنِكَ أو ابنتِكَ الانضمامُ إليها كلٌّ حسَبَ ميولِه، وأنا هنا لا أتحدثُ عن منتدياتٍ ثقافيةٍ وتوعوية، وهى بلا شكٍ موجودة، ولكن أتحدثُ عن مجموعاتٍ أخرى، تتعلمُ فيها هذه الفئةُ العمريةُ كيف تقومُ بالممارساتِ المختلفةِ بطريقة سرّية يصعُبُ أن تُكتشَف، فمثلًا مجموعاتُ فقدانِ الشهيةِ أو الشّره، حيث تتعلمُ الفتياتُ مثلًا طرقَ التقيؤ وكيفَ تُخفى مرضَها، وغير ذلك من التفاصيل الأخرى، وكذلك أيضًا منتدياتُ الذين يمارسون الـcutting حيثُ يتحدثون عن تجاربِهم، ويُعلّمون بعضَهم كيف يُخفُون الجروح... إلخ وغيرُها منتدياتٌ كثيرةٌ تدورُ حولَ أنشطةٍ غريبةٍ تعبّرُ عما يدورُ بأذهانِ أصحابِها. وربّما تندهشُ حينَ تعرفُ أنّ الكثيرَ، إن لم يكن الأغلبَ من هذه المجموعاتِ ليس شرطًا أن يعرفَ أفرادُها بعضهم بعضًا، إلا أن لديهم إشاراتٌ أو شعاراتٌ أو حلىّ (سلسلة/ سوار/ شريط/ بروش) يرتدونها ليتعرّفوا بها على بعضِهِم إنْ صادفَهُم اللقاء. وفى مقال آخر سوف أتحدثُ بشكلٍ مفصلٍ عن هذه الأمراضِ النفسيةِ وفكرةِ الانتماءِ لتلكَ المجموعات.

هل دققتَ النظرَ فى الألعابِ الإلكترونية التى تشتريها لأبنائكَ أو يشترونها دون علمِك، أو تلك التى يلعبونها على الإنترنت؟ ألعابٌ قد لا تؤدى بطريقةٍ مباشرةٍ للانتحار، ولكنها لا تقلُّ خطورةً عن «الحوت الأزرق». فما تظنُّه لُعبة سباقِ سياراتٍ أو غيرِها لو تأمّلتَها أكثر، لذُهلت مما ستكتشفه، وسأذكر على سبيلِ المثال، دون ذكرِ اسم تلك الألعاب، ألعابًا يقومُ من خلالِها اللاعبُ مثلًا بسرقةِ سيارات أو عملياتِ اغتيال أو عمليات سطوٍ مسلّح أو ممارسةِ علاقاتٍ جسديةٍ مع فتياتِ الشارع ثم قتلهنّ واسترداد رصيد أمواله «فى اللعبة»، وبعد ذلك يطالَبُ بقتلِ كل من يقفُ فى طريقِهِ بمن فيهم رجالُ الشرطة، وكلما أتمّ مهمةً بنجاح، يحصلُ على نقاطٍ أعلى، فيُكافأ على جرائمَ ومخالفاتٍ نجح فى ارتكابها، وليس هذا إلا مجرد مثالٍ بسيط، فهناك ما هو أكثر خطورة. هل تستطيع أن تجزمَ بأنَّ جزءًا من حوادثِ السياراتِ التى حدثت أو تحدث، أو العنفِ الذى بِتنا نراهُ فى الشارعِ ليس بسبب هذه الأمور؟! فكِّر جيدًا قبلَ أن تجيب، وأعدُكَ من جانبى أن أقدّم لك ما توصلّت له الدراسات.

هل سمعتَ عن التحديات العديدةِ التى يقومون بها على مدارِ أعوامٍ كثيرةٍ مضت، وهى ليست بالشىء الجديد؟ كلّ فترة تحدٍ يحملُ عنوانًا جديدًا، هل سمعت عن تحدى القِرفة؟ قد يبدو أمرًا تافهًا، إذ ما الضّرر من القِرفة؟! لكنّه كاد يودى بحياة الكثيرين. هل تعرف ما هو تحدى العام الماضى مثلًا؟! إنه «تحدى مسحوق الغسيل»، وأمّا عن تحدّى هذا العام فهو «تحدى الواقى الذكرى» هل سمعت عنه؟ أو ليست لعبةُ الحوتِ الأزرق مجموعةً من التحديات؟ غير أنها أكثر صراحةً فى طلبها الأخير بصيغتِه المباشِرة الآمرة «اقتل نفسك!». وهناك غيرُها من التحدياتِ التى أودتْ بحياةِ أشخاصٍ، وأفلتَ منها- لحسنِ حظِّهِم- آخرون، وقد لا يدرى الأهلُ عن كل ذلك شيئًا.

كم من البرامج والأفلامِ والأغانى التى تحيدُ بأبنائنا عن الطريقِ الذى نحلمُ به لهم، وكم من الرسائلِ الخفيةِ المقدمةِ لهم دونَ أن ندرى والتى يجبُ إلقاءُ الضوءِ عليها. ليس الموضوعُ جديدًا، لكنه يتجدّد كلّ فترةٍ بالشكلِ الذى يُقدّم بهِ لأبنائنا، وقد سقطَ القناعُ عن بعضِه فى الفترةِ الأخيرة، وبدأ يظهر بشكله الحقيقى العارى «كالحوت الأزرق» وغيرها.

أتوقف هنا على وعدٍ بعودةٍ أكثر تفصيلًا مع سلسلةِ مقالاتٍ وُلِدت النية لكتابتِها من بريدى الخاص المكتظ برسائلَ مليئةٍ بالذُّعرِ والحيرةِ والدهشةِ والبحث عن إجاباتٍ شافية. ولن تكون هذه المقالات مجردَ عمليات تجميل سريعة لجروح عميقة، ولكن آملُ أن تكونَ بدايةً تليقُ بضرورةِ احتياجِكم كآباء وأمهات، وترفعُ الحجابَ بين المُحتاج إلى المعرفة والمتخصصِ فى شأنِها.

وحتى لقاءٍ قريب فى مقالٍ قادم، أستطيعُ أن أقول لك إن الحلَّ الأهم أن تذهبَ إلى ابنتِك أو ابنِك، فتحتضنَه، وتخبرَهُ كم تحبُّه".

إعلان

إعلان

إعلان