• ادمجني شكراً

    ادمجني شكراً

    خليل العوامي
    07:01 م الإثنين 23 أبريل 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    ظهرت على السطح خلال الأسابيع الأخيرة أحاديث عن محاولات لتطوير الحياة السياسية، تقضي بوجود أربعة أو خمسة كيانات حزبية كبيرة، عبر دمج عدد من الأحزاب القائمة بعضها مع بعض، أو إنشاء كيانات حزبية جديدة تبتلع كيانات قائمة، ما ينتج عنه في النهاية عدد قليل من الأحزاب ذات تأثير كبير، تنهي حالة التفتت والضعف الحزبي الحالية.

    ** والحقيقة أن ظهور كيانات جديدة تذوب في داخلها أحزاب موجودة بالفعل، أو دمج الأجزاب القائمة بعضها مع بعض ليس عيباً، بل على العكس، فقد يكون انعكاس ذلك على الحياة السياسية أفضل، إلا أن ما لا يمكن إغفاله، هو أن الأحزاب والتحالفات ليست لجنة إدارية تنشأ بقرار فوقي، وإنما لابد من أن تكون نتاج تفاعلات سياسية وضرورات واقعية كي يكتب لها النجاح، وهنا تجدر الإشارة إلى عدة أمور قد تكون ذات أهمية.

    أولاً: الأحزاب السياسية، بما قد يؤخذ عليها من سلبيات حتى في أكثر النظم الديمقراطية نضوجاً، هي أفضل ما توصلت إليه البشرية- حتى الآن- تحقيقاً لمبدأ تداول السلطة، والممارسة الديمقراطية، إذن فالأحزاب وسيلة للحكم وتداوله، وليست غاية في حد ذاتها، ومن ثم وبما أن الأصل (الأحزاب) وسيلة، فالاندماجات والتحالفات هي أيضاً وسيلة وليست غاية.

    ثانياً: ينشأ الحزب السياسي ليكون مُعبراً عن رؤى وقناعات مؤسسيه التي توافقت على مبادئ وسياسات تريد أن تضعها موضع التنفيذ بعد وصولها للحكم، لذا يأتي إنشاء الحزب معبراً عن حاجة بعينها، ووسيلة لتنفيذها، ومتمماً لأفكار القائمين عليه، وليس بقرار فوقي.

    ثالثاً: ترتهن قوة الحزب وقدرته على التأثير في صنع القرار، بقدر ما يمتلك من كوادر وخبرات ورؤى قادرة على العمل، والتعاطي مع الأوضاع والظروف السياسية الصعبة والمتغيرة، كما يرتهن بقاؤه بمدى امتلاكه نواة صلبة تستطيع أن تحافظ عليه في مواجهة العثرات والعقبات، وأحياناً القيود.

    رابعاً: عندما أسس الرئيس الراحل أنور السادات الحزب الوطني تسابق أعضاء حزب مصر العربي الاشتراكي للانضام إليه، ثم ورثه حسني مبارك، وظل الحزب يبدو أنه حاكم لمدة 33 سنة، غير أنه لم يحكم فعلياً، بل إنه لم يكن حزباً بالمعنى المعروف، وإنما كان ظلاً للرئيس وبمجرد خروج الشباب ضد نظام مبارك في 25 يناير، تصدع الحزب الوطني، ثم ما لبث أن تلاشى تماماً مع تنحي مبارك، حتى قبل صدور حكم بحله.

    خامساً: حاصل جمع عدة أصفار هو صفر أيضاً- حتى إن كان يبدو كبيراً– أي أن نتاج دمج مجموعة كبيرة من الأحزاب لن يكون كبيراً ومؤثراً إلا إن كان كل حزب من هذه الأحزاب يمتلك الحد الأدنى من المقومات، والحد الأدنى من القوة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، لابد أن تكون الأحزاب المدمجة في كيان واحد لديها مساحات كبيرة من التوافق الفكري والأيديولوجي بما يسمح بتمرير عملية الاندماج بسلاسة، ويجعل من "الدمج" عامل قوة وليس قنبلة تفتت الجميع.

    خلاصة القول، إن بقاء التجربة الحزبية على حالتها الحالية، حتى تنضج بصورة طبيعية، فيستمر الحزب القادر على خلق مساحات لنفسه، ويتلاشى من دون ذلك، خير من أن تتحول إلى "معلبات" حزبية تصنع على عجل، ثم ما تلبث أن تتلاشى مع أول اختبار حقيقي لقدرتها الفكرية والتنظيمية.

    وفي سبيل ذلك ليس مطلوباً ممن يشغلون أنفسهم بعمليات الدمج، والفك والتركيب للأحزاب، إلا أن يعملوا على الإتاحة الحزبية، وفتح المجال العام لتفاعل حزبي حقيقي، وتذليل العقبات أمام الأحزاب... حينها فقط قد يكون لدينا أحزاب، وحينها أيضاً قد نرى اندماجات حزبية حقيقية قائمة على رؤى وإرادة القائمين عليها دون وصاية.

    إعلان

    إعلان

    إعلان