حضرتك.. خيري رمضان !

حضرتك.. خيري رمضان !

خيري حسن
09:00 م السبت 10 مارس 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


أيام ندوق العسل.
وأيام بنشرب خل.
وأيام ندوق الأمل.
وأيام بنشرب ذل.

تلك الكلمات، الحزينة المؤلمة، كثيراً ما سمعتها، تتردد على لسان (الست أم سعدية) التي كنت أراها في الشارع الذي أسكنه بمنطقة شعبية في حي المعادي منذ سنوات بعيدة. وجهها متعب، وجسدها نحيل، وصوتها تخرج منه الكلمات بحزن مقبض وشديد. بعد وصولها إلى مكانها المعتاد في الشارع، الذي تحول بحكم الفوضى إلى سوق، بجوار المعلم (عزوز) بائع الصحف والأسطى (ميخائيل) الساعاتي، تبدأ تدندن بتلك الحروف الحزينة.

كنت أراها دائماً، تضع بعناء واضح (الطشت) الممتلئ بالجبن البلدي، على الأرض من فوق رأسها، حيث تأتي به محمولاً، كل يوم ثلاثاء، من قريتها التي تقع على أطراف مركز العياط جنوب محافظة الجيزة، بعدما تخوض غمار مغامرة أسبوعية خطيرة، لعبور نهر النيل فوق ظهر معدية قديمة، ومتهالكة، صنعت في أوائل الخمسينات قبل رحيل الإنجليز عن مصر، ومازالت في خدمة أهالي قرى الجيزة، الذين يأتون كل صباح طلباً للرزق في حي المعادي الراقي. ورغم أن المعديةـ بعوامل الزمن والإهمال- تحمل بين جنباتها، أسباباً منطقية، للغرق الذي يؤدي للموت؛ إلا أن (أم سعدية) كانت تستقلها كل أسبوع ذهاباً وإياباً، غير عابئة بالموت الذي تساوى عندهم بالحياة.
وكنت أنا على فترات متباعدة، أراقبها من بعيد، كلما جلست بين (عزوز) بائع الصحف و(ميخائيل) الساعاتي، حتى أستمع لمناقشاتهما السياسية الجادة والحادة التي كانت تدور بينهما، بصورة مستمرة ؛ فمنهم من كان يرى أن فكرة القومية العربية هي الخلاص لنا جميعاً، وكان الآخرـ الأسطى ميخائيل- يرفض هذه النظرية، ويعتبرها عبئًا على مصر تحديداً !

أما (الست أم سعدية) فكانت غير مهتمة بحديثهما كثيراً، لأنها كانت مهتمة أكثر بمطاردة الذباب حولها، حتى لا يستقر على الجبن الطازج. مرت الأيام وجرت في النهر مياه كثيرة، وانتقلت أنا للسكن في مكان آخر، لكن ظلت علاقتي بالمكان ممتدة، حيث كنت أذهب للجلوس معهم كل يوم ثلاثاء. وفي أحد الأيام بعد عدة سنوات، انقطعت فيها عنهم لأسباب متعلقة بالعمل ومشاغل الحياة، عدت إلى المكان، فوجدتها تجلس بمفردها وحيدة، حزينة تضع يدها على خدها، وغير مهتمة بالذباب الذي يتراقص أمامها على الجبن طرباً. قلت لها: أين عم عزوز؟ ردت بحزن مؤلم: ماتت زوجته فجأة دون مقدمات، فقرر أن يترك القاهرة ويعود إلى قريته في محافظة سوهاج بجنوب الصعيد، ليكون بجوار قبرها. قلت منزعجاً: وأين الأسطى ميخائيل؟ قالت ومازالت حالة الحزن على وجهها: باع صندوقه الخشبي (الفترينة) الذي كان يحتفظ في داخله بالساعات القديمة، ولم يعد يخرج من بيته، بعدما شارك صديق عمره (عزوز) حزنه على فراق زوجته، فضعف بصره، ووهن جسده، وهو الآن في دار للمسنين في منطقة ثكنات المعادي.

هززت رأسي وأنا أستعد لوداعها، لكنها باغتتني، وعلى وجهها ابتسامة متواضعة، قائلة: حضرتك خيري رمضان؟ ابتسمت بصعوبة وقلت: لا! قالت: ألست تعمل في التليفزيون؟ قلت: لا! ثم نظرت بعينيها للسماء وقالت: ربك عنده الحل! تركتها ومشيت عدة خطوات، لكنني توقفت، وعدت إليها، وسألتها: لماذا تسألين عن خيري رمضان؟ قالت: ابنتي (سعدية) كبرت وأصبحت (على وش جواز)، وكنت أريد لها تليفزيون بالألوان وثلاجة 16 قدم في جهازها، من خلال برنامجه! قلت لها: وأنا أبتسم: حاضر.. سأحاول الوصول إليه! ردت بسخرية وسذاجة قروية قائلة: (أوع تكون أنت خيري رمضان وبتضحك عليّه)؟! قلت لها وأنا أودعها.. لا.. لست أنا! خرجت من الشارع متجهاً إلى شارع 9 الموازي لسور مترو الأنفاق. وأنا أفكر في مصير الأسطى (ميخائيل) الغامض في دار المسنين، وفي حزن (عم عزوز) المستمر، بعد رحيل زوجته، التي لم ينجب منها. وفي حلم (أم سعدية) في الوصول إلى خيري رمضان!

وتذكرت موقفاً، كان قد حدث لي معه في التسعينات، حيث كان هو قد عاد من الخليج، الذي سافر إليه عام 1990 للعمل كسكرتير تحرير لمجلة زهرة الخليج- هو من مواليد محافظة الدقهلية عام 1963، وتخرج في كلية الآداب قسم صحافة جامعة أسيوط عام 1982ـ وبعد سنوات عاد للقاهرة ليشرف على مكتب المجلة. في ذلك الوقت، ذهبت إليه دون سابق معرفة، راغباً في العمل معه. سكرتيرته استقبلتني بابتسامة خفيفة، ثم قالت: الأستاذ لم يأتِ بعد، لكنك تستطيع ترك أعمالك الصحفية للعرض عليه. وبالفعل فعلت. وعدت إليها بعد مرور أسبوع، فوجدت على وجهها نفس الابتسامة، وهي تقول: الأستاذ يبلغك أن أعمالك الصحفية رائعة، غير أنها لن تأخذ فرصتها في النشر، لاختلافها عن السياسة التحريرية للمجلة.

ويطلب منك أن تتواصل معنا، ربما تكون هناك فرصة أفضل في الأيام المقبلة. يومها كنت سعيدًا برأيه في أعمالي، رغم أنني لم أعاود التواصل معه مرة ثانية، ولا أعرف حتى اليوم.. لماذا؟ بعد فترة عرفت أنه عاد للأهرام عام 1996 كرئيس لقسم التحقيقات في مجلة الأهرام العربي الوليدة حينذاك، ثم مديراً للتحرير، ثم انتقل للأهرام اليومي ليشرف على صفحة بريد الجمعة. وفي الفضائيات تنقل بين محطات مختلفة، واستقر به الحال في برنامج "البيت بيتك" حتى أعلن استقالته منه في مارس 2011. بعد ذلك جاءت مرحلة قنوات الـ"سي بي سي". وقدم فيها برنامجه الذي كانت تعرفه وتشاهده الست (أم سعدية).وتصادف بعد شهور فصلت أنا من الصحيفة التي كنت أعمل بها، وعرف هو بفصلي، عن طريق صديق لي، كان يعمل معه معدًا في البرنامج، فانزعج بشدة، حيث كان يتابع كتاباتي، دون أن يراني، كما قال لي بعد ذلك عندما التقينا! في هذا الوقت، حدث اتصال بيني وبين صديقي الكاتب الموهوب بلال فضل، قال لي فيه: سأنتظرك الليلة في قناة الـ"سي بي سي"، حيث سأظهر الليلة مع خيري رمضان في برنامجه.

وبالفعل وصلت إليهما، وقبل أن يتحدث بلال فضل ويقول له- من وجهة نظره- أنني موهبة جبارة، وفصلت من صحيفتي عبثاً، ونريد له أن يلتحق بصحيفة الوطن الوليدة في ذلك الوقت عام 2012. بسرعة بادره رمضان قائلاً: خيري فعلاً موهوب.. ودورنا يا بلال أن نحافظ على هذه المواهب. ثم أمسك على الفور بهاتفه وأجرى اتصالاً مع صديقه مجدي الجلاد، مؤسس ورئيس تحرير الوطن في ذلك الوقت. وقال له: سأرسل لك هدية. ثم ابتسم، وقال: الجلاد في انتظارك غداً. بالتوفيق يا أستاذ! ثم دار بينه وبين بلال حديث- قبل الظهور علي الهواء- عن الزمن الذي كان فيه كبار الكتاب والصحفيين يبحثون على المواهب، ليقدموها للمجتمع في كل المجالات، وأن نهضة الأمة، لا تبدأ إلا بوصول المواهب الحقيقية، إلى الصفوف الأولى، ليتصدروا المشهد في الصحافة والثقافة والفنون بكل أنواعها. ثم ودعتهم وتحدثت مع معد البرنامج عن رغبة الست (أم سعدية) في أن يساعدها البرنامج. دخل المعد إليه، وعاد ليقول: الأستاذ يطلب منك أن تعطيني تفاصيلها وعنوانها. فرحت بهذا الإنجاز، أكثر من فرحتي بالعمل في صحيفة الوطن.

وفي الصباح هرولت مسرعاً إلى الشارع، الذي تأتي وتجلس فيه، وانتظرت في مكانها، ساعة وساعتين وبعد ثلاث ساعات مرت لم تظهر بعد! سألني بائع الصحف الذي احتل مكان عم (عزوز) وقال: هل تنتظر أحداً؟ قلت: أنتظر الست (أم سعدية) التي تأتي إلى هنا لتبيع الجبن! رد، وعلى ملامح وجهه حزن واضح، قائلاً: البقية في حياتك.. ماتت منذ أيام، وهي تعبر طريق كورنيش المعادي، قادمة من المعدية، تحت عجلات سيارة طائشة، يقودها شاب من أولاد بهوات هذا العصر، دهسها دون رحمة، بعدما اختلت في يده عجلة القيادة، لأنه- حسب رواية شهود العيان- كان يداعب شعر فتاة تجلس بجواره، وفر هارباً، من مكان الحادث، والشرطة تواصل البحث عنه حتى الآن، ثم جلس الرجل، على كرسي خشب، وأشعل سيجارته، وقال: (دمك راح هدر يا ست سعدية)! ودعته بهدوء، دون أن يعرف، لماذا جئت، أسأل عنها؛ مثلما ماتت هي، قبل أن تعرف، أنني نجحت في الاقتراب من تحقيق حلمها.

منذ أيام تذكرت كل هذه الأحداث التي ارتبطت بالإعلامي المتميز خيري رمضان، عندما، تم استدعاؤه للنيابة بسبب رأي قيل في برنامجه- سواء اتفقت معه أو اختلفت- هو في النهاية رأي، وكان يجب ألا يحاكم بسببه، وليس من المنطق أن تنصب له محاكم لتفتيش نواياه، بسبب قول أو وجهة نظر قيلت بحسن نية واضحة، في برنامجه. أما وقد حدث هذا، فهذا معناه، أن المجتمع بنخبه ومؤسساته وأجهزته، يتجه بسرعة شديدة في طريقه لدهس حرية الرأي والتعبير تحت عجلات أشد قسوة ومرارة وعنفًا من العجلات التي دهست من قبل الست (أم سعدية) دون أن يتحقق حلمها في الوصول إلى برنامج خيري رمضان. ويوم أن تحقق الحلم.. ماتت!

إعلان

إعلان

إعلان