أسامة أنور عكاشة.. الموت في منتصف النهار!

أسامة أنور عكاشة.. الموت في منتصف النهار!

خيري حسن
09:00 م السبت 10 فبراير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ما أن ينتهي أهل القرية، من تناول الإفطار الرمضاني، الذي لم يكن يخرج- في العادة- عن طبق سلطة فقير، وطبق فول ممتلئ بالزيت الحار، وعدة أقراص طعمية محروقة بسبب رداءة الزيت؛ إلا ويتسابق الرجال والأطفال موزعين على الشوارع والمقاهي. وكان في ذلك الوقت هناك ثلاثة مقاهٍ متواضعة في كل شيء، يذهب إليها الرجال، لمتابعة الاشتباك والصراع السياسي الساخن بين الفنان يحيي الفخراني (سليم باشا البدري) والفنان صلاح السعدني (سليمان باشا غانم) في مسلسل ليالي الحلمية الشهير. وكنت أنا أذهب إلى مقهى «عمي خلف» وأجلس في انتظار المسلسل كل ليلة. ومع بداية ظهور التتر على الشاشة، كنا نجد الحاج محمد أبوعوض- وكان فلاحاً طيباً مثقفاً- من أهل القرية، ينتفض واقفاً، ليلقي علينا بيانه اليومي، قائلاً: «عليّ الطلاق.. يا أهل البلد مفيش حاجة (بتعدل) دماغي، غير «ليالي الحلمية» وأكل «اللحمة» يوم الخميس من كل أسبوع! فيضحك الجالسون، ويفهمون رسالته التحذيرية، فيلتزمون الصمت منذ تتر البداية حتي تتر الختام.

في ذلك الوقت لفت نظري- رغم صغر السن- اسم المؤلف أسامة أنور عكاشة، وبيان الحاج محمد أبوعوض، الذي كان يلقيه كل ليلة علينا، ليؤكد للجميع حبه وعشقه وحرصه الدائم على متابعة «ليالي الحلمية»، وأنها- حسب قوله- تقوم بمهمة (عدل) دماغه، بدلاً من أكل اللحمة!

وبعد مرور عدة سنوات، التقيت بالراحل المبدع أسامة أنور عكاشة (1941-2010). في المرة الأولى حدثته عن عشق أهل قريتي لمسلسل «ليالي الحلمية» وغيره من أعماله الرائعة. وحكيت له حكاية الحاج محمد أبوعوض. يومها استمع لي، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة وحائرة ما بين السعادة والحزن. والنجاح والفشل. والهدوء والغضب. ثم قال: أنت تحكي وتتصور أن هذا يسعدني؟ وقبل أن أرد، أكمل كلامه قائلاً: دعني أقل لك إن هذا الذي تحكيه يؤلمني، ويجعلني حزيناً على حال أهل قريتك- وغيرها من قرى المحروسة- التي عانت ومازالت تعاني الفقر والحرمان، لدرجة جعلت الجوع يحل ضيفاً ثقيل الدم، لينام في شوارع ودروب هذه القرى، بدون استئذان. وهذا بالطبع هو نتيجة سياسات الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها الرئيس الراحل أنور السادات. ولو عدت إلى دراما «ليالي الحلمية» فستجد أنها رصدت تلك السياسات والتحولات الاجتماعية والسياسية منذ الخمسينات ومروراً بعصر الانفتاح، الذي امتد وتحول، إلى زمن سطوة رجال المال والأعمال.

كان هذا اللقاء بيننا في مساء ليل رمضاني من عام 2007. وقتها رن هاتفه المحمول، وكانت على الناحية الأخرى الفنانة إلهام شاهين، وفهمت من المحادثة أنها تتعرف منه على رأيه في دراما رمضان لهذا العام، فجاء رده عليها دبلوماسياً إلى حد ما، ثم أغلق الخط، وطلب مني تناول كوب عصير البرتقال الذي كان أمامي، أما أنا فكنت مشدوداً، أتأمل صورة له بحجم كبير معلقة خلفه مع أديب نوبل نجيب محفوظ.

وبعد عدة شهور من هذا اللقاء ذهبت إليه، مرة أخرى في شقته بحدائق الأهرام القديمة. العمارة يسكن معه فيها المخرج الكبير محمد فاضل وزوجته الفنانة القديرة فردوس عبدالحميد. وأنا في طريقي، تذكرت أعماله الإبداعية (المشربية- الشهد والدموع- ليالي الحلمية- ضمير أبلة حكمت- الراية البيضا- رحلة أبوالعلا البشري- الحب وأشياء أخرى- أرابيسك- عفاريت السيالة) وغيرها من الإبداع الدرامي غير المسبوق، الذي استطاع من خلاله الاستحواذ على قلوب الجماهير العربية، من خلال الكلمة الصادقة، والمعنى العميق، والأسلوب الرشيق، خاصةً وهو يتغلغل بسلاسة في صميم القضايا الاجتماعية والسياسية، راصداً من خلالها، هموم المواطن ورحلته اليومية نحو إيجاد أسباب منطقية، تجعله يتحمل- بصبر ورضا- ما على هذه الأرض من متاعب وقهر وفقر وحرمان. عندما وصلت إلى مدخل العمارة، وجدت فريق العمل التليفزيوني لبرنامج (عصير الكتب) ذائع الصيت في انتظاري. صعدنا على دفعات في الأسانسير. وعندما دخلت عليه غرفة مكتبه، وجدته جالساً خلف المكتب، وعلى وجهه ابتسامة عريضة، رغم أن بقايا المرض الخبيث، مازالت تسكن في جسده، لكنه بروح المبدع المحب للحياة مازال يقاوم ويبتسم. بعد دقائق قالت زميلتي المخرجة: جاهزين للتصوير يا أستاذ. استعد هو في مقعده. وقبل أن تنطق المخرجة بقولها: (1-2-3 بنصور يا أساتذة) خرجت منها دون قصد (عطسة) عنيفة، تدل على إصابتها بنزلة برد شديدة. هنا صرخ الأستاذ فينا قائلاً: أوقفوا التصوير.. يا جماعة أنا مريض.. ومناعتي ضعيفة!

شعرت الزميلة بالإحراج الشديد، فخرجت مسرعة وغادرت المكان. وخيم علينا جميعاً الصمت، لا نعرف ماذا نفعل! بعد دقائق قال: أنا باعتذر لكم، ولكن أنتم تعرفون أنني أعالج من المرض الخبيث، والجسد من العلاج أصبح ضعيفاً. رد زميل من فريق العمل، قائلاً: ربنا يعطيك الصحة يا أستاذ. ابتسمت أنا. فرد هو الابتسامة، وطلب مني سرعة استدعاء الزميلة قبل أن تغادر العمارة. عندما عادت وجدته يضحك ويعتذر لها، وطلب منها بشدة قبول اعتذاره. ثم قال: اتفضلوا نبدأ التصوير. هنا قلت له: هل تسمح لي بسؤال قبل أن نبدأ؟ رد: اتفضل. قلت: هل تخاف الموت؟ عاد بظهره للخلف قليلاً، ونظر لعيون فريق العمل حوله، ومد يده وأمسك بكوب ماء أمامه، ثم قال: في رحلة علاجي الأخيرة.. التقيت بالموت، كان بيني وبينه خطوة واحدة، ولم أعرف وقتها من حسن الحظ- أو من سوئه- أن الخطوة، كانت للنجاة وليس للموت. أتذكر وأنا بين الحياة والموت، أدركت، أن الأقوى في الإنسان هو أفكاره، وليس جسده أو علمه أو ماله أو أولاده أو تاريخه. ثم رفع كوب الماء إلى فمه، وما أن انتهى منه. قال: تجربة المرض، أكدت لي حكمة كنت دائماً لا أنساها، وهي تقول: «أن تندم على ما فعلت، خير من أن تتحسر على ما لم تفعل».. فالندم نتيجة تجربة، أما الحسرة فهي نتيجة عجز. في هذه اللحظة طلب مني فريق العمل سرعة الانتهاء من التسجيل. وهذا ما حدث بالفعل. بعدها ودعناه نحن بالتحية والسلام والدعاء بالصحة والشفاء العاجل، وودعنا هو بابتسامة، تحولت إلى ضحكة عريضة عندما سألني في دهشة واستغراب قائلاً: «قل لي يا أستاذ.. الحاج محمد أبوعوض بلدياتك، ماذا كان يقول لكم كل ليلة، قبل أن تشاهدوا «ليالي الحلمية»؟ رددت وأنا أبتسم قائلاً: كان يصرخ فينا بقوله: «عليّ الطلاق.. يا أهل البلد.. «ليالي الحلمية» عندي أحسن من أكل كيلو لحمة بلدي»! كنت أقول ذلك، وأنا في طريقي لمغادرة المكان، وكان هو يلقي برأسه وجسده على مكتبه، ويقول بصوت يخرج من فمه بصعوبة، بسبب نوبة الضحك الهستيرية التي أصابته: «لو كنت أعرفك وقتها، وأعرف قريتك، وأعرف الحاج محمد أبوعوض بلدياتك، كنت أرسلت له ولكم عشرة كيلو لحمة مرة واحدة، أحسن من مشاهدة ليالي الحلمية! يومها ودعته، وتركته يضحك، وبعد سنوات تركنا هو بدون وداعٍ.. ومات، في منتصف النهار.

إعلان

إعلان

إعلان