• رد فعل الإعلام والمحامين هو مَنْ فضحنا بالخارج وليس فستان رانيا يوسف

    رد فعل الإعلام والمحامين هو مَنْ فضحنا بالخارج وليس فستان رانيا يوسف

    د. أمل الجمل
    11:00 م السبت 08 ديسمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لماذا يُمارس بعض الناس الكذب؟! أعتقد أنهم يُضطرون إلي ذلك إما بسبب الخوف، أو طمعاً في تحقيق منفعة، أو رغبة في رسم صورة ما لنيل مكانة معينة، أو لأسباب نفسية متباينة.
    أقول هذا بمناسبة المحللين المدافعين عن الفضيلة، والباحثين عن الصدق الذي هاجوا وتدافعوا لإثبات كذب الممثلة رانيا يوسف بخصوص بطانة فستانها العاري أثناء حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأربعين، الذين تركوا كل ما قدمه المهرجان من روائع الأفلام ومن القيم التي تبثها، والقضايا الاجتماعية والإنسانية التي تعالجها بلغة سينمائية ساحرة، تركوا كل هذا وملأوا الدنيا ضجيجاً بقطعة قماش ترتديها امرأة مُدعين أنها تنشر الفسق والفساد وتشكل خطرا علي المجتمع. والحقيقة، لا أدري أي مجتمع هذا الذي يتوقف انهياره وانحطاطه علي فستان امرأة؟!
    بالطبع، كان واضحا جدا أن رانيا لا تقول الحقيقة في برنامج عمرو أديب، لكن من الواضح، أيضاً، أنها كانت خائفة من فكرة السجن. وحاولت تبرير موقفها مرة بإدعاء أن بناتها كانت معها أثناء شراء الفستان، ومرة أخرى بتأكيد أن أمها شاهدته عليها وأعجبها، وأنهن جميعا كن لا يرون فيه أي مشكلة عندما جربته علي جسدها، وأن ما حدث هو الارتفاع المفاجئ للبطانة علي الريد كاربت.. وتارة ثالثة بإقحام بناتها في الموضوع وأنهن نالهن قدرا من الأذى بسبب رد الفعل الإعلامي.

    لعبة الابتزاز العاطفي
    شخصيا أرى الفستان غير مناسب، لأنه باختصار مايوه، مع ذلك أرى أن هذه حرية شخصية فلترتدي رانيا ما تريده، والمُتأذي من رؤية الفستان عليه ألا ينظر إليها ولا يعمل علي نشر الصور. ثانياً؛ أعترف أنني لم يُؤثر فيَّ محاولة رانيا ممارسة الابتزاز العاطفي بحكاية البنات وتضررهم، لأنه طالما كانت رانيا يوسف تحمل عقل، وقادرة علي التفكير، وطالما أنها قد اختارت الفستان لتجذب إليها الأنظار وعدسات المصورين ضمن لعبة النجومية والشهرة بأي ثمن، وهو حق مشروع، نمارسه جميعا بدرجات متفاوتة ومتباينة رغم اختلاف مجالاتنا. لكن ما أقصده أنني أتحفظ علي أن تأتي الآن رانيا وتقول أصل بناتي أصابهن ضررا؟! طيب كان فين عقلك وأنت بتفكري في ارتداء الفستان وجذب الأنظار؟! في النهاية يقول المثل المصري "اللي بيشيل قربة مخرومة بتخر فوق راسه".

    لكن علي صعيد آخر، هذا لا يُعطي الحق للآخرين بأن يحاكموها ويُحددون لها مقاييس لملابسها؟ وليس صائبا ولا مستقيما ما طالب به البعض أن على مهرجان القاهرة السينمائي أن تحدد معايير لملابس النجمات، هذا ليس دور مهرجان القاهرة، وأي مهرجان في العالم تكون الريد كاربت إحدى وسائل الترويج والجذب الإعلامي، بشتى الوسائل وأغرب الأزياء وأكثرها عرياً.

    لا أحد يُمثل المرأة المصرية
    رانيا، وغيرها من النجمات والفنانات أحرار فيما ترتدينه، وأنا بالمناسبة لا أراها تمثل المرأة المصرية. لا هي ولا غيرها. فأي فنانة أو ممثلة عندما تذهب إلى حفل، أو مهرجان لا تذهب وهي تضع في اعتبارها أنها تمثل المرأة المصرية، كل واحدة تمثل نفسها، وتعبر عن نفسها وفقط. إلا إذا كانت في مهمة رسمية خارج مصر، أو لقاء رسمي فتعتبر حينها في حالة تمثيل للدولة. ما دون ذلك، أرى أن كل الإدعاءات والحديث عن المرأة المصرية وإقحامها في قضية فستان رانيا يوسف أمر فج ومبتذل، ومُدعي، وخلط للأوراق.
    ما حدث مع رانيا يوسف هو أحد أشكال التنمر ضد المرأة والهجوم عليها بشراسة لإرهابها بحجة التقاليد والقيم. وفي تقديري، ومن خلال قراءتي، أن رد الفعل الدولي المتزايد إزاء تلك القضية لم يكن أبدًا من منطلق الفستان العاري، ولكن دهشة واحتجاجا على أن يتم حبس امرأة بسبب فستان ارتدته؟! ورد فعل الصحافة العالمية أيضاً بسبب تنمر المجتمع والسوشيال ميديا ضد ممثلة امرأة لأنها ارتدت زيا عاريا؟!. هل يعقل هذا ونحن على أعتاب العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟!

    رجال الدين الباحثين عن الشهرة
    البعض من رجال الدين اللاهث وراء الشهرة هاجموا رانيا بعنف متزايد بحجة أنها جرحت مشاعرهم، وأنا أسألهم بدوري: طيب لما حسيت سيادتك أن الصور بتجرح مشاعرك لا تنظر إليها مرة ثانية وثالثة، ولا تتحدث عنها، ولا تعمل علي نشرها بالحديث عنها، وانظر لأشياء أخرى، متجاهلاً وجودها، وابحث عما يملأ فكرك ووجدانك. لأنك بذلك تساهم في وأدها، ولا تمنحها الفرصة لتحقيق نجومية وشهرة. فأنت في يدك الريموت كنترول ويمكنك ببساطة تحويل بصرك، أما إذا ظهرت فجأة أمامك علي اليوتيوب فأنت تملك حق إغلاقها، والبحث عن المفيد، فأنت صاحب قرار إكمال المشاهدة أو إنهائها، فلا تجري على موقع اليوتيوب لتبحث عن الفيديوهات التي تذيع اللقطات الخلفية للفستان.

    لكن عندما تتحدث مع آخرين وتصنع برنامجا تليفزيونيا عنها فأنت أيضاً أيها الشيخ تلهث لتحقيق قدر من النجومية والشهرة وجذب المشاهدين؟! وعندما تنفعل أيها الشيخ المعمم وتقول بغضب أنك لا تعرف كيف تجيب أولادك عندما يجدوا مثل هذه الصور فأعتقد أن التربية الصحيحة ستجعلهم لا يتوقفون أمام مثل هذا الهراء، حتى لو نظروا إليها مرة واحدة عن طريق الصدفة، فالمحرومون فقط هم الذين يتوقفون أما العري، والمكبوتون وحدهم هم الذين يفرغون كبتهم بهذا الكم من العنف والتنمر ضد المرأة، إنهم يشتهونها ويرغبون فيها بقوة لكن في ذات الوقت يكرهونها لأنهم غير قادرين علي الحصول عليها، هكذا يقول علم النفس.

    المحامي الراكور
    في أغلب القضايا المرفوعة ضد الفنانات والنجوم، والمفكرين ستجد اسمه وراء الدعاوي القضائية، سيدعي أنه غيور علي الدين، والوطن بينما الحقيقة أنه باحث كبير عن الشهرة والظهور تحت الأضواء وعدسات الكاميرات. ستجده يقول إن رانيا بهذا الزي تحث على نشر الفساد والرذيلة؟ والحقيقة أنا مندهشة جدا وأضع ملايين من علامات الاستفهام والتعجب من هذا القول بأن فستان عاري يحث عن الفساد والرزيلة؟َ وماذا إذن عما يحدث في عشرات بل مئات الفيديوهات العارية، وملابس فنانات ومطربات يفعلن أكثر من رانيا؟؟ ماذا عن أفلام البورنو التي يشاهدها الشباب والمتاحة للجميع علي الإنترنت بضغطة زر؟!

    سيتحدث عن سمعتنا وتشويه اسم مصر بالخارج، وأن الصحافة العالمية تتحدث عنا؟! لكنه لن يعترف بأن الصحافة العالمية تتحدث عن فضيحة حبس امرأة بسبب فستان؟ لن تجده يتحدث عن الفساد الحقيقي في مجال الزراعة والمأكولات، وقضايا الفساد والغش الحقيقية التي تضر ببناء وأركان والبنية التحتية للمجتمع؟ لن يتحدث عن المشاكل الحقيقية والجوهرية التي من خلال مناقشتها يمكن إصلاح ولو قدر ضئيل من أركان الوطن. لأن المشكل الحقيقية لا يتم تسليط الأضواء عليها بالقدر الكافي، ولا تصل إلى درجة تحقيق التريند علي السوشيال ميديا.

    يهاجمون لكنهم يستمتعون بالفرجة
    ما هذا المجتمع المريض الذي يهاجم ممثلة أو حتى امرأة عادية بسبب فستان، يهاجمها لكنه يتفرج على لقطات الفستان العاري مرات ومرات؟! دعونا نتساءل؛ كيف تحول اسم رانيا يوسف في لحظات أو ساعات إلي تريند؟! لأنه بمجرد انتشار الخبر أخذ الجميع يفتحه ويتناقله وكأن القيامة قامت، يعني لما بيحصل اعتداء على فلسطين لا يحدث مثل هذا الانتشار؟ لما بيحصل اعتداء إرهابي على أحد الأماكن بمصر لا يتحول إلي تريند؟

    لذلك فإن أبلغ تعليق جاء من رجل الأعمال المصري نجيب ساويريس حينما قال: "مكانش فستان ده… صحوني لما ترجع فلسطين ويتصالح ترامب مع الصين؟"… هو سخرية من هؤلاء الذين ضخموا الأمر، سخرية من مجتمع سطحي، نعم مجتمع السوشيال ميديا في مصر مجتمع سطحي مبتذل في كثير من الأحيان.

    إعلان

    إعلان

    إعلان