• الصعيد المجني عليه والجاني على أهله

    الصعيد المجني عليه والجاني على أهله

    د. أحمد عمر
    07:02 م الثلاثاء 16 يناير 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الصعيدُ لغة: هو المرتفعُ من الأرض، ومنه صعيد مصر، الذي كان يُسمى دائمًا مصر العليا، ومع قدوم العرب، صار يُعرف باسم صعيد مصر.

    وهذا يعني أن صعايدة هذه الوطن، ناس طيبة وبتوع ربنا، وقريبون من السماء وملكوت الله بالجغرافيا والأرض، وبالفطرة السوية.

    كما أن الصعايدة يتسمون بالصلابة والصبر والتأمل والحكمة، فالصعيد البعيد عن العاصمة والحياة الصاخبة فيها، الفقير في موارده الاقتصادية وفرص العمل- قد أتاح لأبنائه من فراغ الوقت ما دفعهم إلى القراءة والتأمل والتفكير العميق في وضعية الإنسان على الأرض، وخيارات وخطط السماء والعلاقة بينهما.

    وكان لا بد أن تنطلق مع طول هذا التأمل تجربة دينية وفلسفية وأدبية، تختلف في درجة عمقها والتعبير عنها من إنسان لآخر، وتستهدف محاولة الإجابة عن التساؤلات التي تدور في ذهن الإنسان الصعيدي المشغول بالبحث عن معنًى لحياته وقيمةٍ لوجوده، المهتم دائمًا بفكرة البطولة والمثل الأعلى، والذي يملك حساسية خاصة تجاه كل ما يقلل من قيمته، ويمس كرامته واحترامه لذاته، واحترام الآخرين له.

    ويمكن أن نجد في تلك القراءة لخصوصية المكان والإنسان وعلاقتهما الجدلية في الصعيد- تفسيرًا لكثرة الأدباء والشعراء ورجال الدين والفكر والسياسة العظماء، الذين أنجبتهم تلك الأرض الطيبة التي كانت حتى ستينيات القرن الماضي حميمية رغم فقرها، تهب لأبنائها الدفء والسكن وحياة السكينة والهدوء، ولكنها لم تعد كذلك من سبعينيات القرن الماضي.

    فمنذ ذلك التاريخ انقلبت منظومة القيم الاجتماعية في صعيد مصر، مع ظهور أثر أموال الخليج على بعض أبنائه، وما رافقها من مظاهر تدين شكلي غريبة عن المجتمع المصري، وظهور الأغنياء الجدد مع عصر الانفتاح الساداتي، فاختفى كثير من قيم وسلوكيات الصعايدة الإيجابية، وظهر على السطع معظم الموروثات السلبية، كحدة الطبع، وضيق الأفق، والعصبية العائلية والقبلية، والمحافظة الفكرية.

    ثم، لاحقا، قامت الدولة بالاستثمار في كل ذلك، وتوظيفه لخدمة مصالحها، حين قام أحد أبناء الصعيد، وهو محافظ أسيوط (محمد عثمان إسماعيل) المُقرب من الرئيس السادات بإنشاء الجماعات الإسلامية في جامعة أسيوط لضرب التيارات السياسية الأخرى، مما مهد الطريق لجعل الصعيد حاضنًا جماعات الإسلام السياسي والفكر المحافظ كافة.

    وقد ترافق ذلك، بالطبع، مع تراجع دور المدرسة والجامعة التعليمي والتثقيفي، وغياب النشاط الفني والفكري والثقافي في محافظات الصعيد، وتحولها إلى بيئة طاردة بامتياز لكل الباحثين عن أفق عقلي وروحي مختلف، وفرص عمل حقيقية، وفضاء للحلم، وأرض للتحقق.

    وهذا يعني أن هجرة أهل الصعيد هي هجرة إجبارية من الصعيد "المجني عليه" من قبل حكومات مصر المتعاقبة، بتجاهله السياسي والاقتصادي والثقافي، و"الجاني على أهله" بما هو عليه من جغرافيا فقيرة وقاسية وفقر في الموارد، وفرص الاستثمار والتنمية والعمل.

    ولو تغير وتحسن مناخ الحياة وسياقها في الصعيد، فلن يهاجر أهله لمدن الشمال الكبرى مضطرين، ليعانوا من صخب وازدحام تلك المدن الصخرية القلب التي تأكل أرواحهم وأعمارهم.

    فهل يدرك نظام حكم اليوم حقيقة ومخاطر الأوضاع في الصعيد، فيجعل تنميته اقتصاديًا وبشريًا وثقافيًا على أولوية اهتمامه، لنرى جديدًا في الصعيد، يغير نمط الحياة به، ويُعطي لسكانه أفقًا للحلم والعمل والتحقق، ويغلق الباب أمام المستثمرين في التدين المغلوط والجهل والفقر والمرض، ويمنع هجرة أهله إلى الشمال، حتى لا يصنعوا "عشوائيات" هناك كما قال اللواء أبوبكر الجندي، وزير التنمية المحلية الجديد، في تصريح غير موفق على الإطلاق؛ لأن الصعايدة المهاجرين للشمال اضطرارًا ليسوا رعاعًا، بل هم من أهم البنائين في هذه البلاد، وهم ملح أرضها، وأبرز مثقفيها ومبدعيها، وقوام جنودها وجيشها.

    إعلان

    إعلان

    إعلان