• "الاستيفيا".. فضيحة حكومة مِسكّرة

    "الاستيفيا".. فضيحة حكومة مِسكّرة

    عصام بدوى
    09:00 م الأحد 20 أغسطس 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    خرج علينا وزير الزراعة الدكتور عبد المنعم البنا، يوم الثلاثاء الماضي بخبر من يقرَأه من غير المتخصصين في مجال الزراعة يجده بُشرى سارّة للاستثمار في مصر، بينما يجده المتخصصون نكسة حقيقية، تضاف لنكسات تلك الوزارة، التي تقف تتفوق على وزارات تلك الحكومة في اللجوء إلى الحلول السهلة والفهلوة في حل الأزمات.

    الخبر يشير إلى أن الحكومة ممثلة في وزارة الزراعة وقّعَتْ اتفاقية مع شركة «بي أو إس» الكورية، بموجبها تمنح مصر الشركة الكوريّة 300 ألف فدان، جنوب شرق منخفض القطارة، لزراعة معظم تلك الأراضي بنبات «الاستيفيا»، الذي يُعد بديلًا للسكّر، بمعدل حلاوة تعادل 200 مرة ضعف حلاوة سكّر القصب.

    وبالطبع، من يعرف أن مصر تستهلك 3.2 مليون طن تقريبًا في حين أنها تنتج 2.2 مليون طن، بفجوة تُقدر بمليون طن يتم استيراده سنويًّا، وعندما تعرف أن إنتاج السكر من فدان الاستيفيا يعادل إنتاج 18 فدانًا من القصب، سيجد غير المتخصص أن هذا الخبر يُعد انتصارًا حقيقيًّا وعلميًّا لجذب الاستثمار من ناحية، والقضاء على أزمة السكر التي عانى منها المواطن خلال السنوات الماضية، وترشيدًا لاستهلاك المياه المخصصة لزراعة القصب، فالاستيفيا تحتاج لمياه أقلّ، إضافة إلى الاتجاه للبحث العلمي باستقطاب زراعات جديدة من شأنها تعظيم الناتج من الزراعة المصرية.

    لكن.. ما يعرفه المتخصصون في مجال الزراعة، والحقائق التي أضعها أمامكم الآن، تكشف حقيقة أخرى تمامًا.

    بداية، نبات الاستيفيا، الذي تُعادل حلاوتُه 200 مرة حلاوةَ سكّر القصب، والذي يعتبر –أيضًا- مناسبًا تمامًا لمرضى السكّر، وموطنه الأساسي أمريكا الجنوبية، ليس بجديدٍ على مصر، فقد عرفَتْه في التسعينيّات، وزاد الاهتمام به مع تصاعد العمليات الإرهابية في تلك الفترة بالصعيد، والرغبة في تعويض المزارعين الذين أزيلت لهم مساحات شاسعة من القصب كانت مزروعة على جوانب الطرق، وكانت تستخدم فى ضرب الحافلات السياحية، إلا أن الاهتمام به تضاءل شيئًا فشيئًا، حتى أصبح منحصرًا في بعض المساحات المتناثرة هنا وهناك، وذلك بعد تراجع العمليات الإرهابية.

    وهذا يعني، أن الحكومة تتعامل مع المواطن من منطلق جهله بمثل تلك الزراعات، وتخرج علينا بأخبار تصف بها تلك النوعية من الزراعات بأنها اكتشاف وليد اللحظة، رغم أنَّ مصر عرفت هذا الاستيفيا قبل كوريا بعشرات السنين، لكن الفرق، أن مصر استعانت به من أجل حل مشكلة الأمن فقط، وليس من أجل حل مشكلات الزراعة والفجوات بين الإنتاج والاستهلاك بأسلوبٍ علمي، لذا، عندما تراجع استهداف الحافلات السياحية، تراجعتْ مصر عن الفكرة، بعكس كوريا طبعًا، التي تبحث عن مستقبلٍ مشرقٍ لشعبها والاكتفاء الذاتي لشعبها من الغذاء.

    الأغرب من ذلك، وإن كانت الحكومة تبحث عن سدِّ الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في السكّر بتلك الصفقة، وأشك في ذلك، ومنبع شكّي هنا، يكمن في أنَّ مصر ليس بها أي مصانع لاستخراج السكر إلّا من القصب والبنجر فقط.

    ومن قراءة بنود الاتفاقية، لم تنوه من قريبٍ أو من بعيدٍ عن إنشاء الشركة الكورية لمصانع استخراج السكّر من الاستيفيا في مصر، وهذا يثبت أن إجمالي المحصول سيتم تصديره للخارج ولن يستخدم لسدّ الفجوة، حيث إن إنشاء مثل تلك التكنولوجيا يحتاج ما بين 4 إلى 6 سنوات على أقل تقدير لتبدأ عملها في مصر، هذا لو توافرت النيّة لذلك فعليًّا.

    وعليه، فإن مصر لن تستفيد سوى ببيع الأراضي فقط، أو حق الانتفاع، والتي أعتقد كما اعتدنا من الحكومات السابقة سيكون أقلَّ بكثيرٍ من ثمن تمهيد وترفيق الأرض، وأيضًا أقل من لو تم منحها لمواطن أو باحث، حتى لو سيزرع نفس الزراعات.

    وحال، افترضنا حُسْن النية، بأنّه سيتم إنشاء مصانع لاستخراج السكر من الاستيفيا، كيف ستتعامل الحكومة مع منظومة تصنيع السكّر، وأقصد هنا مصانع إنتاج السكّر من القصب والبنجر، وكيف ستمهّد الأمور بالنسبة لمزارعي المحصولين المنتشرين في أنحاء الجمهورية كافة؟ خاصّةً أنّ زراعة 20 ألف فدان استيفيا قد يغطي احتياجات مصر من السكّر، وبذلك لن نكون في حاجة للمحصولين.

    إن الاستثمار في الزراعة، يجب أن يكون بمحاذير شديدة، خاصة بالنسبة للمستثمر الأجنبي، فالسّماح له بالزراعة على أراضٍ مصرية، وبمياهٍ من حِصّتها، ثم تصديرُها وليس تصنيعُها داخل مصانع على أرض مصر، توفر فرص عمل، وتقلل من فاتورة الاستيراد، يُعدّ جريمة حقيقية وكارثة كبرى في حق هذا البلد.

    ولنا هنا تجربة استشهد بها أيام الرئيس السابق مبارك، عندما تم منح الوليد بن طلال 100 ألف فدّان في توشكى، قام بزراعة 10 آلاف فدان منها برسيم حجازي، وشركة «الراجحي» السعودية، التي حصلت على مائة ألف فدان بتوشكى، وزرعت أوّل ١٦ ألف فدان «برسيم»، وشركة «جنان» الإماراتية أيضًا في العوينات.. زرعتْ أوّل ٨ آلاف فدان «برسيم».. وغيرها على حافّة بحيرة السد العالي.

    شركات تزرع «برسيم» لتجففه وتصدره كعلف للثروة الحيوانية في بلادهم، في الوقت الذي كانت مصر ولا تزال تعاني من فجوة حقيقية في الأعلاف تكاد تصل لأكثر من 70%!!.

    وهُنا أختم بمعلومة على الماشي، استهلاك فدّان البرسيم الحجازي ٥ آلاف متر مكعب من المياه.. وفدان القمح ١.٥ ألف متر مكعب.. لِذا لا تتعجبْ عندما تُصبح أكبر دولة في العالم تستورد قمحًا.

    إعلان

    إعلان

    إعلان