• موعد "وهمي" مع الهجرة الجماعية

    موعد "وهمي" مع الهجرة الجماعية

    أكـرم ألـفي
    08:49 م السبت 03 يونيو 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    هل الأقباط المصريون على موعد مع الهجرة الجماعية؟ سؤال تلقفه البعض بعد هجوم المنيا الإرهابي ليضع له مبررات ويثير مخاوف بشأن النسيج الاجتماعي المصري.

    ووسط هذا النقاش تابعت حواراً على "الفيسبوك" مع أحد "أقباط المهجر" بشأن هجرة المسيحيين المصريين، وكان الحوار الذي وصل لأكثر من1000 تعليق يدور عن الاضطهاد والمعاناة وضرورة مساعدة أقباط المهجر "أخوتهم" في مصر على الهجرة.

    هذا الحديث المتجدد يتلقفه البعض بجدية شديدة للحديث عن سعي الأقباط للخروج من مصر وأن الإرهاب وتيارات الإسلام السياسي تدفع المسيحيين للهجرة، والحديث عن تهديد تفريغ المنطقة من المسيحيين.

    لا يمكن لأحد أن ينكر أن الخوف هو أحد الدوافع للهجرة في سياق البحث عن مكان أكثر أمناً. ولكن هل يهاجر المسيحيون من مصر بسبب الخوف؟

    إن طرح هذا السؤال وشيوع الإجابة بنعم، تدفع إلى طرحه على أرض الواقع عبر صياغة عدد من الأسئلة وإجابتها بعيداً عن "الدبلوماسية الاجتماعية" المنتشرة حالياً وسط النخب المصرية.

    بدءاً: هل يسعى المصريون للهجرة؟

    الإجابة بالطبع نعم.

    إن أعداد كبيرة من المصريين يسعون للهجرة أو العمل في الخارج. فمنذ منتصف الستينيات والأزمة الاقتصادية الحادة في ذلك الوقت بدأت موجات هجرة متتالية من أبناء الطبقة الوسطى المتعلمين إلى أوروبا وأمريكا والدول العربية الغنية بالنفط.

    فقد هيمن حلم السفر على المصريين في السبعينيات والثمانينيات بحثاً عن العمل والرفاهية واتجه أغلب المصريين إلى دول الخليج العربي وليبيا والعراق. ففي لحظة فارقة في تاريخ الاقتصاد المصري تشير الأرقام إلى أن مصري من كل 10 في سن العمل كان خارج البلاد. ولكن بعد أزمة العراق وما تلاها من سياسات التقشف النسبي في الخليج تراجع هذا الرقم مما أثر على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر وهو تحويلات المصريين في الخارج.

    ما ضرورة التذكير بكل ما سبق؟ الضرورة هي أن الطبقة الوسطى المصرية إلى جانب العمال في قطاع العقارات وغيرها من القطاعات كانوا دائما على موعد مع السفر للخارج، ولو كانت القوانين في الخليج العربي والعراق وليبيا تسمح بالحصول على الجنسية لكان اليوم هناك لدينا ما يعرف بـ"المصريين الخليجين" و"المصريين الليبيين" و"المصريين العراقيين".

    في المقابل، هاجر عدد أقل من الشباب في تلك الفترة إلى أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا. ولعل ليس من الغريب أن البيانات القليلة المتوفرة تشير إلى أن اعداد الشباب المسلمين الذين هاجروا لأوروبا وأمريكا أكبر من أعداد الشباب المسيحيين بحكم الوزن الديموجرافي فحلم الهجرة حلم جمعي وليس حلماً طائفياً في مصر كان ومازال وسيستمر.

    السؤال الثاني: لماذا أصبح المسيحيون كتلة رئيسية من المهاجرين؟

    هذا السؤال اجابته واضحة في قوانين الجنسية بدول الاستقبال للمهاجرين، فأغلب من سافروا الخليج والعراق وليبيا عادوا إلى مصر بعد أزمات سياسية أو اقتصادية أو انتهاء فترة عمليهم، بينما قوانين أوروبا وأمريكا تسمح بمنح الجنسية بعد فترة محددة، مما جعل الكتل التي سافرت للغرب تتحول إلى مواطنين في هذه الدول لتؤسس عائلات وبالتالي شبكات أمان اجتماعي واقتصادي لذويهم.

    وبدا هذا الأمر واضحاً أكثر بسبب أن موجات الخروج من مصر بدءا من التسعينيات تحولت إلى "تذكرة بلا عودة"، حيث أصبح حلم السفر من أجل اللاعودة أكثر انتشاراً بين المصريين من حلم السفر لتحسين شروط المعيشة داخل الوطن.

    وبحكم التركيبة الدينية والاجتماعية في أوروبا وأمريكا، فإن فرص الشاب القبطي المصري للتعايش هناك كانت تزيد نسبيا عن نظيره المسلم. وفي مجتمع المهجر تتشكل شبكات أمان (مؤسسات اجتماعية وشبكة من العلاقات الاقتصادية) للمهاجرين فنرى في نيوجيرسي بالولايات المتحدة جمعيات ومساجد للمصريين المسلمين كما نرى كنائس مصرية.

    وبحكم أن المسيحيين أعداهم أقل من المسلمين في التركيبة السكانية المصرية فإنه كان من الطبيعي أن يكون تأثير المهجر أكبر على كتلتهم السكانية. فخروج 10 آلاف مسيحي يؤثر على 100 ألف قبطي من أسرهم ومحيطهم وهو نسبة كبيرة مقارنة بعدد الأقباط في مصر، فيما خروج 20 ألف (أي الضعف) من الشباب المسلم للخارج يؤثر على 200 ألف وهي لا تمثل نسبة يعتد بها من المسلمين المصريين.

    بالتوازي، فإن قدرة الأقليات في كافة دول العالم على صناعة شبكات الأمان تكون أقوى بحكم الخبرات المتراكمة، فكما حدث مع اليهود في أمريكا، والهندوس في الخليج العربي، حدث مع المسيحيين في الغرب الذين نجحوا في صناعة شبكات أمان أقوى في الدول التي هاجروا إليها، وبالتالي سمحوا بزيادة فرص هجرة وبقاء أعداد أكبر من أصدقائهم وأقاربهم عند استضافتهم في بلاد المهجر.

    السؤال الثالث: هل يسعى المسيحيون للهجرة بسبب الإرهاب؟

    شخصياً لا أعرف أي من الأصدقاء المسيحيين الذين يسعى للهجرة بسبب الخوف على حياته بشكل مباشر. ولي تجربة بسيطة فزملائي في الصف الثالث الثانوي من المسيحيين 90% خارج مصر حالياً، وعندما سألتهم بشكل مباشر لماذا سافروا؟ كانت الإجابة هي بحثاً عن فرص عمل أفضل والسعي إلى تحسين دخلهم.

    إن المسيحيين يهاجرون بحثاً عن العمل والدخل مثل كل المصريين.. ومن يصدر وهم الهجرة الجماعية هو يسعى للكسب على حساب موجة الإرهاب الموجه ضد المسيحيين في الفترة الأخيرة أو انتشار خطاب الكراهية. ولكن لو تعمقت في الحوارات الخاصة بالهجرة ستجد نفس الكلام الذي يقوله أي شاب مصري بغض النظر عن دينه ولكن يتم صباغته بلون الاضطهاد من أجل زيادة فرص السفر.

    إجابة أخيرة.. هل تعلمون أن أهل وأقارب ضحايا هجوم المنيا كانت تجاربهم في الهجرة هي السفر لليبيا للبحث عن العمل هناك بينما منظرو الهجرة الجماعية يبحثون عن فرصة في أمريكا.

    إعلان

    إعلان

    إعلان