أكد الدكتور محمود محيي الدين، الخبير الاقتصادي الدولي، أن مواجهة حالة عدم اليقين والتواترات التي يشهدها الاقتصاد العالمي تتطلب حلولاً إقليمية ومحلية مبتكرة ترتكز على الاستثمار الشامل وتوطين التنمية، مشدداً على أن البيانات باتت هي "النفط الجديد" والمحرك الرئيسي لمستقبل الاستثمار والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
جاء ذلك خلال الكلمة الافتتاحية التي ألقاها د. محيي الدين في انطلاق فعاليات قمة سيتي سكيب مصر 2026، حيث طرح رؤية استراتيجية شملت عدة محاور أساسية لتطوير القطاع العقاري والمحافظة على الثروة العمرانية في مصر على المدى الطويل.
وأوضح محيي الدين أن المؤسسات المالية والدولية تعتمد في تقييمها للأسواق الناشئة والدول النامية على تصورات للمخاطر تكون في أغلب الأحيان أعلى بكثير من المخاطر الواقعية على الأرض، مما يرفع تكلفة التمويل ويحرم هذه الأسواق من تدفقات استثمارية مستحقة، وشهد العالم اليوم تحولاً محورياً نحو عصر البيانات باعتبارها الركيزة الأساسية لمراكز البيانات والتقنيات الحديثة.
وأشار إلى أنه في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، يتعين على الدول الشروع في "حلول إقليمية" عبر تعزيز الاستثمار والتجارة والتكامل مع المحيط العربي والإفريقي، مستشهداً بنموذج التكتلات الناجحة في عدد من الدول.
وفي المقابل، شدد على أن "الحل الأكثر استدامة" يكمن في توطين التنمية، موضحاً أن التنمية الحقيقية لا تقتصر على العاصمة أو المدن الكبرى، بل يجب أن تمتد إلى كل نقطة ومحافظة في مصر، لضمان جودة التعليم والصحة، والبنية التحتية، ونقل المواصلات.
واستشهد محيي الدين بطرح أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكسفورد "بول كولير"، مشيراً إلى أن معيار جودة أية مدينة لا يقاس فقط بجماليات المباني، بل بقدرة المدينة على التواصل والربط بين أفرادها؛ بحيث يستطيع المواطن الانتقال بين سكنه وعمله وأماكن الترفيه بتكلفة معقولة، وبوسائل نقل آمنة وممتعة دون مشقة أو حوادث.
وحول كيفية الحفاظ على المليارات التي أنفقت في التنمية العمرانية والمدن الجديدة (كالعاصمة الجديدة، والشيخ زايد، والتجمع، وغيرها) لتظل محتفظة بقيمتها بعد 100 عام، حدد محيي الدين 4 اشتراطات رئيسية أولها الالتزام بالتقسيم العمراني وكود البناء حيث شدد على رفض أي تعديل غير قانوني على نشاط الوحدات (كالتحويل من سكني إلى تجاري أو إقامة ورش ومحلات بالمخالفة)، إلى جانب الالتزام بالاشتراطات الهندسية الخاصة باستهلاك المياه، والتهوية، والإضاءة الشمسية، والحفاظ على النسق المعماري.
وثانيها إلزامية التأمين على المنشآت والمرافق حيث دعا إلى توسيع نطاق التأمين على المباني الحكومية، والمرافق الحيوية، والأصول التاريخية (مستشهداً بحدث حريق مبنى مجلس الشورى السابق)، موضحاً أن شركات التأمين لا تكتفي بتقديم التعويضات المالية بل تفرض منظومة رقابية وصيانة صارمة لمنع الحوادث.
وثالث هذه الاشتراطات تحويل الضريبة العقارية إلى ضريبة محلية حيث جدد محيي الدين مطالباته لوزارة المالية بأن تخصص حصيلة الضريبة العقارية لصالح الأحياء والمجالس المحلية التي جمعت منها، لتصرف مباشرة على صيانة الطرق، والنظافة، والتجميل، ورفع كفاءة البيئة. وأكد أن ربط الضريبة بالخدمات المباشرة سيشجع المواطنين على الدفع ويقضي على حالة التذمر.
تمثل رابع الاشتراطات في رفع كفاءة التحصيل الرقمي حيث أشار إلى أهمية الاعتماد على النظم الضريبية الحديثة والتحول الرقمي لزيادة كفاءة التحصيل وإلغاء التفاوت بين المناطق.
واختتم د. محمود محيي الدين كلمته بالتأكيد على أن العمران ليس مجرد أحجار خرسانية، بل هو ثروة قومية ومحرك اقتصادي يتطلب التخطيط المستدام والحوكمة لحماية أصول الدولة وممتلكات مواطنيها لأجيال قادمة.