دراسة بحوث المياه توصي بعدم تبطين كافة الترع: ستخفض الجوفية 3.5 متر
كتب : محمد ممدوح
تبطين الترع
كشفت دراسة بحثية أعدها باحثون من معهد بحوث المياه الجوفية التابع للمركز القومي لبحوث المياه أن تبطين شبكة الترع بالكامل في شرق دلتا النيل قد يؤدي إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية بنحو 3.5 متر خلال 20 عامًا، محذرة من أن تنفيذ مشروعات التبطين على نطاق واسع دون دراسة تأثيرها على المياه الجوفية قد يؤثر في استدامة الخزان الجوفي وأمن المياه على المدى الطويل.
وأوصت الدراسة المنشورة في مجلة علوم المياه بعدم الاعتماد على تبطين جميع الترع بشكل موحد، وإنما تحديد المناطق التي تحتاج إلى التبطين، خاصة التي يؤدي تسرب المياه منها إلى زيادة تشبع التربة بالمياه أو ارتفاع الملوحة، مع الإبقاء على بعض أجزاء الترع غير المبطنة في المناطق التي يساهم تسرب المياه منها في تغذية الخزان الجوفي.
وفي حال ضرورة تبطين شبكة كبيرة من الترع، شددت على ضرورة اتخاذ إجراءات أخرى لتعويض المياه التي كان الخزان الجوفي يحصل عليها من التسرب، ومنها تغذية الخزانات الجوفية بشكل متعمد، وإنشاء أحواض تسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض، أو إقامة مناطق يتم التحكم فيها للسماح بتسرب كميات محددة من المياه.
وأكدت الدراسة أهمية زيادة عدد نقاط وآبار رصد المياه الجوفية لمتابعة تأثير أعمال تبطين الترع على مستويات المياه، والتأكد من دقة النماذج المستخدمة في التنبؤ بالتغيرات المستقبلية، مع ضرورة تحقيق توازن بين توفير مياه الري وتقليل الفاقد على المدى القصير، والحفاظ على المياه الجوفية واستدامتها على المدى الطويل، محذرة من أن انخفاض مستويات المياه الجوفية قد يؤدي إلى زيادة تكاليف ضخها.
36 بئرًا و97 حملة رصد في القليوبية والشرقية
استندت الدراسة في نتائجها إلى رصد ميداني مكثف ونمذجة باستخدام بعض البرامج التكنولوجية في هذا المجار، بهدف معرفة تأثير الترع المبطنة وغير المبطنة على مستويات المياه الجوفية في محافظتي القليوبية والشرقية بشرق دلتا النيل، حيث ركب الباحثون شبكة تضم 36 بئرًا لمراقبة المياه الجوفية حول أربع ترع، منها ترعتان مبطنتان هما المكاسر والزراعي، وترعتان غير مبطنتين هما الودن ونبتيت.
ونفذ الباحثون 97 حملة رصد خلال الفترة من مايو 2024 حتى يونيو 2025، مع اختلاف مواعيد تشغيل الترع، وذلك لمتابعة العلاقة بين كمية المياه الموجودة في الترع ومستويات المياه الجوفية في الظروف الفعلية للري.
وأظهرت نتائج الرصد أن مستويات المياه الجوفية بالقرب من الترع غير المبطنة كانت تتغير بشكل واضح مع تغير مستويات المياه داخل الترع، خاصة في المناطق التي توجد بها طبقات طينية رقيقة، أي كلما ارتفع منسوب المياه في الترعة غير المبطنة، زادت كمية المياه التي تتسرب إلى التربة وتصل إلى الخزان الجوفي، وهو ما ساعد على تغذيته.
لكن الوضع كان مختلفًا بالقرب من الترع المبطنة، إذ أصبح وصول مياه الترع إلى الخزان الجوفي أقل، وظهرت انخفاضات أكبر في مستويات المياه الجوفية بالمناطق التي يعتمد فيها المزارعون بشكل كبير على ضخ المياه الجوفية، بحسب الدراسة.
ماذا حدث عند محاكاة تبطين الترع؟
استخدم الباحثون نموذج رياضي معروف باسم MODFLOW-6 لمحاكاة حركة المياه الجوفية، والتنبؤ بها، وبعد مقارنته بالبيانات الحقيقية التي جمعوها من الآبار، وجدوا أن نتائجه متطابقة بدرجة كبيرة جدًا مع الواقع، حيث اختبر الباحثون سيناريوهين؛ الأول هو تبطين ترعة الودن وحدها، والثاني هو تبطين جميع الترع الفرعية في المنطقة محل الدراسة.
وأظهرت النتائج أن تبطين ترعة واحدة أدى إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية بنحو 0.6 متر بعد 20 عامًا، وكان التأثير محدودًا ومحليًا، أما عند تبطين شبكة الترع الفرعية بالكامل، فتوقعت المحاكاة انخفاض مستويات المياه الجوفية على نطاق واسع، ووصل الانخفاض إلى نحو 3.5 متر خلال 20 عامًا.
لماذا يمكن أن يكون تسرب مياه الترع مفيدًا؟
أوضحت الدراسة أن هناك مفارقة مهمة في عملية تبطين الترع؛ فالمياه التي تتسرب من الترع غير المبطنة تمثل من ناحية فاقدًا من مياه الري، لكنها من ناحية أخرى تصل إلى باطن الأرض وتساعد في تجديد مخزون المياه الجوفية.
ويعتمد خزان دلتا النيل الجوفي في تغذيته بشكل أساسي على المياه التي تتسرب من نهر النيل والترع ومياه الري الزائدة، ولذلك يمثل مصدرًا مهمًا ومتجددًا للمياه، وفي ظل زيادة الاحتياجات الزراعية والمنزلية والصناعية، ومحدودية الموارد المائية، أصبحت المياه الجوفية مصدرًا مهمًا لتوفير المياه في بعض المناطق، وفقا للدراسة.
وفي المقابل، يحقق تبطين الترع فوائد مهمة، إذ يقلل كمية المياه المفقودة بالتسرب، ويرفع كفاءة نقل مياه الري، كما يساعد في تقليل نمو الحشائش وتراكم الرواسب واحتياجات الصيانة، ويساعد على وصول المياه إلى الأراضي المستصلحة حديثًا.
لكن تقليل التسرب يعني في الوقت نفسه أن كمية أقل من المياه ستصل إلى الخزان الجوفي، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض مستوياته، خاصة في المناطق التي تعتمد على ضخ المياه الجوفية، ويختلف تأثير التبطين من منطقة إلى أخرى، بحسب نوع وسمك طبقات التربة، ونوع المحاصيل، وطريقة تشغيل الترع، وحجم ضخ المياه الجوفية.
وبحسب الدراسة، فإن الحل الأفضل ليس بالضرورة تبطين جميع الترع، وإنما تحديد الأماكن التي يكون فيها التبطين مفيدًا، والإبقاء على بعض الأجزاء غير المبطنة عندما يكون تسرب المياه منها ضروريًا لتغذية المياه الجوفية ولا يسبب مشكلات للتربة أو الملوحة.

اقرأ أيضًا:
الأرصاد تحذر: ارتفاع تدريجي درجات الحرارة حتى الأحد
الصحة تحذر الأمهات: 3 علامات في تنفس طفلك تستدعي الطوارئ فورًا
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News