إعلان

من العلبة إلى "الفرط".. كيف يعيد الغلاء تشكيل سوق السجائر في مصر؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

01:57 م 20/08/2026

سوق السجائر في مصر

تابعنا على

في كشك صغير على ناصية شارع سوريا يقول الموظف الإداري بشركة خاصة محمد زناتي للبائع: "هات 3 فرط"، بعد أن قلّب جيبه ظهرًا لبطن ولم يجد به إلا القليل.

علبة السجائر التي كانت تناسب جيب المدخن قبل سنوات، صارت اليوم قادرة على ابتلاع جزء كبير من دخله، ومع كل زيادة جديدة يعيد زناتي حساباته سريعًا؛ يقلل عدد السجائر أو يغيّر النوع أو يشتري بالفرط بدل العلبة أو يبحث عن تبغ أرخص، لئلا تنقطع العادة.

انخفضت نسبة المدخنين بين السكان من سن 15 عامًا فأكثر إلى 14.2% في 2024، مقابل 17% في 2022 و17.7% في 2020، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وحسب البيانات المتاحة، يبلغ عدد المدخنين نحو 10.3 مليون شخص، لكن التراجع في نسبة المدخنين لم يصاحبه تراجع مماثل في فاتورة التدخين؛ إذ كشف "المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" متوسط الإنفاق السنوى على التدخين بأنه نحو 16.2 ألف جنيه للأعلى إنفاقًا خلال 2025، مقارنة بـ1700-5200 جنيه سنويًا في 2010.

المدخن أمام "سلم الأسعار"

السوق المصري يضم شرائح سعرية واسعة، وتبلغ أسعار منتجات "فيليب موريس" المعلنة للمستهلك 111 جنيهًا لـ"ميريت"، و102 جنيه لـ"مارلبورو"، و82 جنيهًا لـ"L&M"، و79 جنيهًا لـ"مارلبورو كرافتد"، بينما تصل أسعار منتجات التبغ المسخن إلى 82 جنيهًا لـ"TEREA" و69 جنيهًا لـ"HEETS"، وفق الأسعار التي أعلنتها الشركة.

وفي الطرف الآخر تقف الفئة الشعبية، إذ يبلغ سعر عدد من منتجات الشركة الشرقية نحو 48 جنيهًا للعبوة.

الفارق ليس بسيطًا لمدخن يستهلك علبة يوميًا، فمن يشتري علبة بـ111 جنيهًا يوميًا يدفع نحو 3330 جنيهًا شهريًا، بينما تنخفض الفاتورة إلى 1440 جنيهًا عند شراء علبة بـ48 جنيهًا، فالانتقال من الفئة الأعلى إلى الشعبية قد يوفر للمدخن نحو 1890 جنيهًا شهريًا.

ولمن يحصل على صافي دخل شهري 8 آلاف جنيه، فإن تدخين علبة يوميًا بسعر 48 جنيهًا يعني إنفاق نحو 18% من الدخل الشهري على السجائر، بينما تصل النسبة إلى أكثر من 41% عند استهلاك علبة يومية بسعر 111 جنيهًا.


"أقل سعرًا" لا يعني "أقل استهلاكًا"

عندما ترتفع تكلفة النوع الذي اعتاد الزبون شراءه، يمكن أن يبدأ التكيف من تغيير العلامة التجارية، ثم تقليل الكمية، ثم شراء سجائر فرط، أو الاتجاه إلى التبغ الملفوف، حسبما يقول صاحب كشك سجائر بشارع دمشق ربيع الإسناوي لـ"مصراوي".

وهكذا، يدفع التضخم جزءًا من المستهلكين إلى إعادة توزيع إنفاقهم داخل سوق التبغ بدلًا من الخروج منه، حسبما يقول بائع محل معتوق للتبغ بوسط البلد لـ"مصراوي".

فالمدخن الذي كان ينفق أكثر من 3 آلاف جنيه شهريًا على علامة مرتفعة السعر يستطيع، بمجرد الانتقال إلى فئة شعبية، أن يخفض فاتورته بأكثر من النصف، حسب بائع "معتوق"، ويضيف أن أن عدد السجائر التي يدخنها الزبون قد لا ينخفض بالقدر نفسه، في انخفاض للتكلفة وانخفاض استهلاك التدخين.


سوق ضخم رغم تراجع نسبة المدخنين

بلغ حجم سوق السجائر ومنتجات التبغ المسخن في مصر نحو 87.3 مليار وحدة خلال 2025، وفق البيانات المنسوبة إلى "بلومبرج"، وبلغت شحنات "فيليب موريس" نحو 26 مليار وحدة خلال العام نفسه، بزيادة سنوية قدرها 8.9%، بما يعادل نحو 30% من إجمالي السوق وفق البيانات المتاحة.

وفي سوق السجائر الشعبية، سجلت الشركة الشرقية نموًا لافتًا في الكميات؛ إذ بلغت مبيعاتها من السجائر الشعبية نحو 56 مليار سيجارة خلال العام المالي 2024-2025، مقابل نحو 44 مليارًا في العام السابق، وفق البيانات الواردة عن الشركة.

كما ارتفعت قيمة المبيعات المحلية للسجائر والمعسل، شاملة ضريبة القيمة المضافة ورسم التأمين الصحي الشامل، إلى نحو 105.1 مليار جنيه خلال العام المالي 2024-2025، مقابل 63.7 مليار جنيه في العام السابق.

عندما تتحول العلبة إلى "سيولة يومية"

"شراء السجائر بالسيجارة بدلًا من العلبة كاملة لا يخفض بالضرورة التكلفة على المدى الطويل، لكنه يغير طريقة الدفع"، هكذا يقرر الخبير الاقتصادي خالد الشافعي لـ"مصراوي"، ويضيف أن المدخن الذي لا يستطيع دفع ثمن العلبة مرة واحدة يمكنه شراء سيجارة أو اثنتين خلال اليوم، وهذه ليست بالضرورة عملية توفير، ولكنها تجزئة للإنفاق.

الأرقام المتاحة لا تسمح بالقول إن التضخم وحده هو الذي أدى إلى تراجع نسبة المدخنين من 17.7% في 2020 إلى 14.2% في 2024، حسب الشافعي، كما أنها لا تثبت وحدها أن كل من استمر في التدخين انتقل إلى منتجات أرخص.

المدخن الذي يخرج من السوق يخفض عدد المستهلكين، لكن المدخن الذي يبقى قد يدفع أكثر أو يغير المنتج أو يغير طريقة الشراء، وفق الشافعي، وبين الإقلاع وتقليل الكمية والنزول إلى فئة سعرية أقل والشراء المجزأ، تتشكل اقتصاديات جديدة للنيكوتين تحت ضغط التضخم.

يخرج زناتي بـ3 سجائر من لدى صاحب الكشك، لكنه لم يخرج من دائرة التدخين، فالأسعار استطاعت تغيير ما يشتريه وكيف يشتريه وكم يدفع مقابله، لكنها لم تغيّر العادة نفسها.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان