إعلان

سعر ثابت ووزن أقل.. “التضخم الخفي” يتسلل إلى سلع المصريين

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

02:12 م 19/08/2026

الانكماش الخفي

تابعنا على

يرى خبيران اقتصاديان تحدثا لـ"مصراوي" أن "الانكماش الخفي" المتمثل في تقليص وزن أو حجم العبوة مع الإبقاء على السعر، لا يمثل مخالفة في حد ذاته طالما أن الكمية الجديدة معلنة بوضوح، لكنه يتحول إلى مشكلة عندما تفتقر عملية البيع إلى الشفافية.

تنتشر آلية "تقليص وزن السلع مقابل نفس السعر" في الأغذية والمشروبات، مؤخرًا، لأن انخفاض عشرات الجرامات من العبوة قد يمر بصريًا دون ملاحظة، بينما تكون زيادة السعر المطبوع على العبوة أكثر وضوحًا للمستهلك.

يُنسب إلى الخبيرة الاقتصادية البريطانية بيبا مالمجرين استخدام مصطلح Shrinkflation عام 2009، وهو تركيب من كلمتي "Shrink" و"Inflation"، أي "الانكماش الخفي"، لوصف ممارسة تقوم فيها الشركات بتقليص حجم أو كمية المنتج، أو أحيانًا خفض جودة مكوناته، مع تثبيت السعر أو زيادته بصورة طفيفة بدلًا من تمرير زيادة سعرية صريحة.

تكشف بيانات منشورة أن الشركات تعمل تحت ضغط تكلفة، إذ وصلت حصة التعبئة والتغليف إلى نحو 25% من تكلفة الإنتاج في الصناعات الغذائية، وارتفعت أسعار عبوات تغليف المكرونة 83% في المتوسط، بينما زادت تكلفة تعبئة الزيت السائل من 15 قرشًا إلى 24 قرشًا للعبوة.

وفق أرشيف الأخبار، أقرّ مدير المبيعات بشركة جولدن ستار للحلوى، بأن الشركة لجأت إلى تقليل حجم عبواتها بدلًا من تحميل المستهلك كامل الزيادة في تكلفة الإنتاج، بسبب زيادة مدخلات الإنتاج ومنها الكاكاو، غير تكاليف التشغيل وخدمات الشحن ورفع أجور العمال.

كما ذكر علاء عيسى سكرتير شعبة الحلوى بغرفة القاهرة التجارية، أن سوق الحلوى المصرية تواجه حالة من الركود بسبب تقليل الاستهلاك نتيجة الوضع الاقتصادي.

"حماية المستهلك" يكشف ضوابط شراء حلوى المولد النبوي.. ويتوعد المخالفين

الظاهرة لا تتوقف عند المنتجات المعبأة، فقد وثق "مصراوي" اتجاه بعض مطاعم الفول والطعمية إلى تخفيض حجم قرص الطعمية للحفاظ على السعر، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفول والزيت والخضروات، ورفعت بعض المطاعم أسعار الساندوتشات بالفعل، بينما اختارت أخرى تقليص حجم القرص لتعويض زيادة التكلفة والحفاظ على الزبائن.

مطاعم تبدأ رفع سعر "الطعمية والفول" .. وتخفيض حجم القرص بديلا للزيادة

يقول حازم المنوفي حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية ورئيس مجموعة المنوفي للمواد الغذائية، إن التعامل مع ظاهرة تقليص أوزان أو أحجام المنتجات مع ثبات أسعارها يتطلب التفرقة بين التسعير المشروع وأي ممارسات قد تؤدي إلى تضليل المستهلك، موضحًا أن الشركات تعمل وفق آليات السوق وتكاليف الإنتاج، مع ضرورة الالتزام بالإعلان الواضح عن السعر والوزن أو الكمية.

وبضيف لـ"مصراوي" أن تقليص وزن أو حجم العبوة مع ثبات السعر لا يُعد مخالفة في حد ذاته، طالما أن الوزن الجديد معلن بوضوح ولا تتضمن العبوة أو طريقة عرضها أي بيانات مضللة، مشيرًا إلى أن المشكلة تبدأ عندما توحي طريقة تقديم المنتج للمستهلك بأنه يحصل على الكمية نفسها مقابل السعر ذاته، رغم حدوث خفض جوهري في المحتوى.

ويذكر أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بثبات السعر على الرف، وإنما بمدى شفافية المنتج، إذ يجب أن يتمكن المستهلك من معرفة السعر والوزن والكمية بصورة واضحة، بما يسمح له بإجراء مقارنة عادلة بين المنتجات واتخاذ قرار الشراء على أساس معلومات حقيقية.

ويشير المنوفي إلى أن تحقيق التوازن يظل ضروريًا بين قدرة الشركات على الاستمرار والإنتاج في ظل ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج، وبين حماية المستهلك من أي أعباء غير واضحة أو ممارسات قد تؤثر في قراره الشرائي دون علمه.

ويشدد على أن الشفافية في الإعلان عن السعر والوزن والكمية تمثل خط الدفاع الأساسي للمستهلك، إلى جانب استمرار الأجهزة الرقابية في متابعة الأسواق والتأكد من الالتزام بالقواعد المنظمة ومنع أي ممارسات احتكارية أو مضللة.

لماذا تلجأ الشركات إلى هذا الخيار؟

مع قرارات تحرير سعر الصرف المتعاقبة، التي أفقدت الجنيه أكثر من نصف قيمته أمام الدولار وفق تقديرات متعددة، ارتفعت تكلفة استيراد المواد الخام والوسيطة، لتجد الشركات نفسها أمام مفاضلة واضحة: زيادة السعر المعلن وتحمل احتمال تراجع الطلب، أو تقليص الكمية مع الحفاظ نسبيًا على السعر وهامش الربح والقدرة التنافسية.

كما بلغ الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية 289.9 نقطة في يوليو 2026، بارتفاع شهري قدره 0.1% عن يونيو، فيما ارتفع التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 13.0% مقابل 12.2% في يونيو، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 10 أغسطس 2026. وفي المدن بلغ التضخم السنوي 14.9%.

المركزي: تفاقم المعدل السنوي للتضخم الأساسي إلى 14.7% في يوليو

يقول الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن المستهلك يحصل على قيمة أقل مقابل أمواله عند شراء السلع عمومًا، لكن تقليص الكمية قد يكون أكثر صعوبة في الملاحظة من رفع السعر، لأن المستهلك عادة يكون أكثر حساسية لتغير السعر من تغير الكمية.

ويضيف لـ"مصراوي" أن مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والمواد الخام، يصبح الانكماش الخفي إحدى الوسائل التي تستخدمها الشركات للحفاظ على أسعارها المعلنة وهوامش أرباحها، دون تحمل صدمة رفع السعر بشكل مباشر.

ويرى أن الأثر لا يتوقف عند العبوة، فمع تكرار تقليص الأوزان ترتفع التكلفة الحقيقية للوحدة أو الكيلوجرام حتى إذا ظل السعر المكتوب على المنتج ثابتًا، لذلك، فإن مقارنة الأسعار وحدها لم تعد كافية لقياس ما يدفعه المستهلك، بل يجب النظر إلى السعر مقابل الوزن أو الحجم الفعلي للمنتج.

وفي اقتصاد يعاني فيه المستهلك الضغوط التضخمية، حسب حسانين، قد يتحول الانكماش الخفي من مجرد إستراتيجية تسويقية إلى زيادة غير مباشرة في تكلفة المعيشة، لأنها تمر بعيدًا عن الانتباه، لكنها تظهر بوضوح في نهاية الشهر عندما يجد المستهلك أن مشترياته المعتادة لم تعد تكفي كما كانت.

القانون المصري.. أين ينتهي التصغير ويبدأ التضليل؟

يُلزم قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 المورد أو المعلن بتجنب أي سلوك خادع يتعلق، من بين أمور أخرى، بكمية السلعة أو وزنها أو حجمها أو سعرها. وبذلك فإن البيانات الأساسية الخاصة بما يحصل عليه المستهلك يجب ألا تقدم بصورة مضللة.

"حماية المستهلك" يشن حملات رقابية بمختلف المحافظات للتفتيش على الأسواق

أما قانون قمع الغش والتدليس التجاري، فيجرّم خداع المستهلك أو الشروع في خداعه بشأن حقيقة السلعة أو كميتها، بما يشمل العدد أو الوزن أو المقاس أو الكيل. وتصل العقوبة في حالات الغش إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة من 5 آلاف إلى 20 ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة محل الجريمة أيهما أكبر، بينما تتشدد العقوبة عند استخدام موازين أو مقاييس أو مكاييل مزيفة أو وسائل فحص غير صحيحة، لتصل إلى الحبس من سنة حتى 5 سنوات وغرامة من 10 آلاف إلى 30 ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة أيهما أكبر.

لكن الفارق القانوني الحاسم أن التشريع يجرّم التضليل لا "التصغير" في ذاته، فإذا طبعت الشركة الوزن الصافي الجديد بوضوح على العبوة، فإن تقليص الوزن بحد ذاته لا يصبح بالضرورة جريمة، حتى لو تكرر تقليص الوزن عدة مرات خلال فترة قصيرة ولم يتغير التصميم الخارجي للعبوة بصورة تلفت انتباه المستهلك إلى الفارق، وهنا تحديدًا توجد المساحة التي تتحرك فيها إستراتيجية الانكماش الخفي عالميًا، وليست مصر استثناءً منها.

صور توضح نوع المنتج.. ضبط مصنع غير مُرخص لتصنيع وإعادة تعبئة الشاي

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان