محمود محيي الدين يحذر: الأزمة المالية العالمية مسألة وقت.. والدول النامية في مرمى النار
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
الدكتور محمود محيي الدين
حذّر الدكتور محمود محيي الدين الرئيس التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي، من أن نشوب أزمة مالية عالمية جديدة قد يصبح "مسألة وقت" في ظل مجموعة من الضغوط المتزامنة التي يواجهها الاقتصاد العالمي، على رأسها تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وتكلفة الديون واتساع عجز الموازنات بجانب الاختلالات بين الاقتصادات الكبرى والدول النامية واحتدام الصراعات الجيوسياسية.
وقال محيي الدين، في تدوينة نشرها عبر منصته على "Substack"، إن السيناريو المقبل يختلف عن الأزمات المالية السابقة في نقطة جوهرية، وهي أن أوجاع الاقتصاد الحقيقي والتوترات الاجتماعية سبقت الإعلان عن الأزمة المالية.
وحسب رؤيته، فإن العالم يعيش بالفعل أزمة ديون سيادية "صامتة" تضغط على الموازنات العامة، وتحد من قدرة الحكومات على توجيه الإنفاق إلى التعليم والصحة والاستثمار، بما ينعكس في النهاية على معدلات النمو وتكلفة المعيشة ومستويات رفاه الطبقة الوسطى.
الديون.. الشرارة المحتملة
يربط محيي الدين الأزمة المالية المحتملة بتفاقم أزمة الديون السيادية، محذرًا من أن استمرار الضغوط على المالية العامة يمكن أن يقود إلى مرحلة تصبح فيها قدرة الحكومات على الاقتراض وإعادة تمويل التزاماتها محل شك من جانب الأسواق والمقرضين.
وتأتي هذه الرؤية في وقت تشير فيه البيانات الدولية إلى اتساع أعباء الديون بالفعل.
فقد أظهر تقرير أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2026 أن الدين المرتفع أصبح أحد أبرز العوامل التي تعرقل تحقيق أهداف التنمية، إلى جانب الصراعات وتباطؤ النمو وتغير المناخ وتراجع المساعدات الدولية، كما بلغ الدين الخارجي للدول منخفضة ومتوسطة الدخل مستوى قياسيًا عند 8.9 تريليون دولار خلال 2024.
ولا تتوقف المشكلة عند حجم الدين، وإنما تمتد إلى تكلفة خدمته.
ووفق البنك الدولي، ارتفع الدين الحكومي في الاقتصادات النامية من أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010 إلى أكثر من 70%، فيما أدت مستويات الدين المرتفعة وارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة حادة في تكاليف خدمة الدين، كما تضاعف خلال العقد الأخير عدد الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل المعرضة بدرجة كبيرة لمخاطر التعثر أو الواقعة بالفعل في أزمة ديون.
عندما تزاحم الديون التعليم والصحة
المشكلة الأخطر، وفق سيناريو محيي الدين، أن أزمة الديون لا تظل داخل دفاتر وزارات المالية والبنوك المركزية، وإنما تنتقل تدريجيًا إلى حياة المواطنين.
فكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون، تقلصت المساحة المتاحة أمام الحكومات لزيادة الإنفاق على الخدمات العامة والاستثمار أو اضطرت إلى إعادة ترتيب أولويات الموازنة في مواجهة ارتفاع أعباء الفائدة.
وتكشف أحدث بيانات الأمم المتحدة أن العالم لا يواجه أزمة مالية محتملة في فراغ؛ فمعدل الفقر المدقع يظل عند نحو 10% من سكان العالم في 2026، بما يعادل نحو 826 مليون شخص، بينما لا يزال التقدم نحو القضاء على الفقر بطيئًا للغاية.
كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نصيب العمل من الناتج العالمي انخفض من 53% في 2015 إلى 52.6% في 2025، وهو ما قد يزيد الضغوط المرتبطة بتوزيع ثمار النمو والدخل.
الدول النامية.. الحلقة الأكثر تعرضًا
ويرى محيي الدين أن الدول النامية ستكون الأكثر تعرضًا لتداعيات أي اضطرابات مالية عالمية، بسبب حساسيتها تجاه تغيرات أسعار الفائدة وأسعار الصرف.
فعندما ترتفع الفائدة العالمية، ترتفع تكلفة الاقتراض بالنسبة للدول التي تعتمد على التمويل الخارجي، بينما يؤدي تراجع قيمة العملة المحلية إلى زيادة تكلفة خدمة الديون المقومة بالعملات الأجنبية.
وهنا تصبح الأزمة دائرة متشابكة؛ إذ ارتفاع الفائدة يرفع تكلفة الدين، وارتفاع الدين يضغط على الموازنة، وضغط الموازنة يحد من الاستثمار والخدمات، وضعف النمو يجعل خفض الدين أكثر صعوبة.
ويشير البنك الدولي بالفعل إلى أن الدول الأكثر مديونية تواجه ارتفاعًا أكبر في تكلفة الاقتراض مع إضافة مزيد من الدين، وأن هذا الأثر يكون أكثر حدة في الاقتصادات الأكثر هشاشة.
لماذا لا تكفي البيانات الإيجابية؟
يلفت محيي الدين إلى مشكلة أخرى تتعلق بثقة الأسواق، فحتى عندما تعلن الحكومات عن تحسن مؤشرات المالية العامة، فإن ذلك قد لا يكون كافيًا لطمأنة المقرضين إذا كانت الأسواق تشك في قدرة الدولة على سداد التزاماتها مستقبلًا.
وهنا يستشهد محيي الدين بطرح الاقتصادي الفرنسي أوليفييه بلانشارد بشأن العلاقة بين مستويات الدين والعجز وثقة المستثمرين، حيث يمكن أن توجد أوضاع توازنية مختلفة للمالية العامة، حسب مدى استعداد المقرضين لتحمل مخاطر السداد ومقدار الفائدة التي يطلبونها مقابل تلك المخاطر.
وهنا لا تصبح المشكلة في حجم الدين فقط، وإنما في السؤال الأهم: هل يثق المقرضون في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها؟
"الأزمة" التي قد تصل قبل الإعلان عنها
المفارقة التي يطرحها محيي الدين أن آثار الأزمة قد تظهر قبل أن يطلق عليها رسميًا اسم "أزمة مالية".
فإذا كانت الموازنات العامة تستنزفها خدمة الدين، وإذا كانت الحكومات تقلص قدرتها على الاستثمار، وإذا كانت تكاليف المعيشة ترتفع، وإذا كان الفقر وعدم المساواة يضغطان على الطبقة الوسطى، فإن جزءًا من آثار الأزمة يكون قد وصل بالفعل إلى الاقتصاد الحقيقي.
وتذكر أحدث بيانات الأمم المتحدة أن هذه الضغوط متزامنة بالفعل؛ إذ تواجه أهداف التنمية المستدامة رياحًا معاكسة تشمل تباطؤ النمو العالمي وارتفاع أعباء الديون وتصاعد الصراعات وتراجع المساعدات الإنمائية، كما أن 49% من أهداف التنمية التي تتوافر لها بيانات اتجاهية تتقدم بوتيرة أبطأ من المطلوب، بينما تراجعت 15% منها مقارنة بمستويات 2015.
الوقاية قبل الإنقاذ
لكن محيي الدين لا يتعامل مع الأزمة باعتبارها قدرًا محتومًا، بل يضع الوقاية في مقدمة الحلول، ويقول إن أفضل علاج للأزمة هو منع حدوثها أصلًا، من خلال تبني قواعد حصيفة لإدارة السياسات العامة والمؤسسات وبناء هوامش أمان تسمح للدول بالتعامل مع حالة عدم اليقين.
ويطرح في هذا السياق مجموعة من الأولويات، من بينها السيطرة على تفاقم الديون وعجز الموازنات، بجانب إعادة بناء نموذج للنمو والاستثمار والتصدير وتوطين التنمية وتوسيع الأسواق من خلال ما يسميه “الإقليمية الجديدة”.
الرسالة الأساسية لتحذير محيي الدين ليست أن أزمة مالية عالمية ستندلع غدًا، وإنما أن العالم يدخل مرحلة مالية أكثر هشاشة وأن تكلفة أي أزمة جديدة قد تكون أعلى اجتماعيًا واقتصاديًا من سابقاتها، لأن الاقتصاد الحقيقي بدأ يتحمل بالفعل جزءًا من فاتورة الديون والعجز وضعف النمو.
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News